هل القرى والبوادي والمناطق النائية تستفيد من التطور التكنولوجي في إطار استراتيجية المغرب الرقمي 2030
بدر شاشا
يشكل سؤال استفادة القرى والبوادي والمناطق النائية من التطور التكنولوجي في المغرب واحدا من أهم الأسئلة التي تشغل النقاش العمومي اليوم، خاصة مع إطلاق استراتيجية المغرب الرقمي 2030 التي تراهن على جعل التحول الرقمي قاطرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
هذا التحول لا يمكن أن يُكتب له النجاح ما لم يشمل كل فئات المجتمع، وما لم يصل إلى المواطن في الدوار كما يصل إلى المواطن في قلب المدن الكبرى، لأن الفوارق الرقمية يمكن أن تتحول بسهولة إلى فوارق اقتصادية واجتماعية أعمق.
لقد أدرك المغرب خلال السنوات الأخيرة أن المستقبل لن يُبنى فقط بالطرق والموانئ والمطارات، بل أيضا بالبنية الرقمية، بالأنترنت عالي الصبيب، بالخدمات الذكية، وبالقدرة على استعمال التكنولوجيا لتقليص المسافات.
لهذا جاء المغرب الرقمي 2030 ليستهدف، ضمن أهدافه الكبرى، فك العزلة الرقمية عن المناطق الخلفية القروية وتوفير بنية اتصالات تسمح للمواطن القروي بالاستفادة من نفس فرص ولوج المعرفة والمعلومة والخدمات الإدارية التي يستفيد منها المواطن الحضري.
فحينما يصبح الهاتف الذكي نافذة للتعليم والتطبيب والإدارة والتجارة، يصبح ضمان الولوج إليه ضرورة تنموية لا مجرد ترف تقني.
ويمكن القول إن ملامح الاستفادة بدأت تظهر تدريجيا في بعض المناطق، من خلال برامج توسيع التغطية بشبكات الاتصال، خاصة شبكات الجيل الرابع والخامس، التي أدت إلى توفير أنترنت أقوى في عدد كبير من المراكز القروية. وهذا التحسن في البنية التحتية الرقمية انعكس على الحياة اليومية للسكان، حيث أصبح العديد من الفلاحين يستعملون الهواتف الذكية لمراقبة الأحوال الجوية، وتتبع أسعار الأسواق، والاستفادة من الإرشاد الفلاحي الرقمي.
كما ظهرت مبادرات شبابية محلية تعتمد على الإنترنت لخلق فرص اقتصادية صغيرة، مثل التجارة الإلكترونية المحلية، وتقديم خدمات عبر الشبكة دون الحاجة للانتقال إلى المدينة.
غير أن السؤال الحقيقي هو هل تكفي هذه الخطوات لضمان استفادة فعلية وشاملة للبوادي من الثورة الرقمية.
الواقع يؤكد أن الطريق ما زال طويلا، لأن الاستفادة الحقيقية لا ترتبط فقط بتوفير الأنترنت، بل بمدى قدرة الساكنة على استعمالها استعمالا فعالا.
فالفجوة الرقمية ليست فجوة تغطية فقط، بل هي أيضا فجوة تعليمية وثقافية، تتعلق بالمهارات الرقمية ومستوى الوعي بأهمية التكنولوجيا.
لذلك فإن المغرب الرقمي 2030 يركز بشكل واضح على برامج محو الأمية الرقمية، وعلى تكوين الساكنة القروية في استعمال الخدمات الإلكترونية الحكومية، حتى لا يتحول الهاتف الذكي إلى مجرد جهاز بلا وظيفة حقيقية.
ومن بين أكبر المجالات التي يمكن للتكنولوجيا أن تُحدث فيها ثورة داخل العالم القروي نجد التعليم.
فبفضل الرقمنة يمكن للأطفال في المناطق النائية أن يستفيدوا من محتوى تعليمي جيد، ويمكن للمدرسين الوصول إلى موارد didactiques رقمية تساعدهم على تطوير طرق التدريس.
كما يمكن للتكوين عن بعد أن يفتح آفاقا جديدة للشباب، ويمنحهم فرصة اكتساب مهارات مهنية دون الحاجة للهجرة الداخلية.
ومع ذلك فإن نجاح هذا التوجه يبقى رهينا بتجهيز المدارس القروية باللوحات الرقمية والصبيب الكافي، وبإعادة تأهيل الفضاءات التربوية لتتلاءم مع التعليم الرقمي.
الصحة بدورها تعتبر مجالا يمكن للتكنولوجيا أن تحدث فيه ثورة حقيقية داخل القرى. فالطب عن بعد أصبح اليوم حلا واقعيا لمشاكل البعد الجغرافي، إذ يمكن للمريض في الدوار أن يجري استشارة طبية عبر الفيديو مع طبيب متخصص في مدينة كبرى، ويمكن للخدمات الصحية أن تتبع النساء الحوامل والأشخاص المصابين بالأمراض المزمنة رقميا.
هذه الحلول بدأت بالفعل في بعض الجهات، لكنها ما زالت تحتاج إلى تعميم وتجويد، لأن الطريق ما زال مليئا بالتحديات التقنية والتنظيمية.
أما الإدارة الرقمية فهي ورش أساسي في تقريب الخدمات من المواطن القروي.
فحينما يستطيع المواطن استخراج وثيقة إدارية من هاتفه دون أن يقطع عشرات الكيلومترات، فإن ذلك يغير بشكل جذري علاقته بالمؤسسات ويقلل من الهدر الزمني والمالي. وقد بدأ المغرب بالفعل في توسيع استعمال منصات الخدمات العمومية الرقمية، لكن تبسيط هذه المنصات وجعلها مفهومة بالنسبة للساكنة ذات المستوى التعليمي المحدود يبقى شرطا أساسيا لنجاحها.
ورغم كل هذه المكاسب المتنامية، فإن التحديات التي تواجه إدماج القرى في النموذج الرقمي ما تزال كثيرة، من أبرزها كلفة الأجهزة الذكية بالنسبة للأسر ذات الدخل المحدود، وصعوبة الصيانة التقنية، وضعف الوعي لدى بعض الفئات بأهمية التكنولوجيا، إضافة إلى استمرار بعض النقاط السوداء في التغطية الشبكية. كما أن خلق فرص اقتصادية رقمية حقيقية داخل القرى يحتاج إلى تصور شامل يدمج البنية الرقمية مع التكوين والدعم المادي وتحفيز الابتكار المحلي.
لكن ما يمكن تأكيده هو أن المغرب اليوم يسير في الاتجاه الصحيح.
فالرؤية واضحة، والإرادة السياسية قوية، والمشاريع الرقمية تتقدم بخطوات ملموسة، وما على القرى والبوادي إلا أن تُمسك بزمام هذه الفرصة وتحوّلها إلى قوة تنموية.
إن العالم يتغير بسرعة، والمستقبل سيكون رقميا بلا شك، ومن مصلحة المغرب أن يكون أبناؤه في البوادي جزءا من هذا المستقبل لا مجرد متفرجين عليه.
إن استراتيجية المغرب الرقمي 2030 ليست فقط برنامجا لتحديث الإدارة أو تطوير الاقتصاد، بل هي مشروع حضاري يهدف إلى بناء مجتمع أكثر عدلا ومساواة، مجتمع لا تقسمه الجغرافيا، ولا يحده البعد، بل يجمعه الحق في المعرفة والخدمات والتنمية.
وحينما تصل التكنولوجيا إلى آخر بيت في الجبل، يمكن حينها القول إن التحول الرقمي نجح فعلا في تغيير وجه المغرب نحو الأفضل.
