الطاقة المتجددة ودورها في دينامية وتدبير البيئة: مقاربة شمولية برؤية بحثية من مدينة القنيطرة

الطاقة المتجددة ودورها في دينامية وتدبير البيئة: مقاربة شمولية برؤية بحثية من مدينة القنيطرة

بدر شاشا 

تُعدّ الطاقة المتجددة اليوم ركيزة أساسية في دينامية التحول البيئي وفي رسم ملامح مستقبل مستدام قادر على مواجهة التحديات المناخية والاقتصادية التي يفرضها العصر. ويزداد الاهتمام بهذه الطاقة في مختلف بقاع العالم، خصوصاً في الدول التي تعي أهمية الانتقال الطاقي باعتباره شرطاً لضمان أمن الطاقة، وحماية الموارد، وتعزيز التنمية الجهوية والوطنية. وفي سياق باحث مهتم بدينامية وتدبير البيئة بمدينة القنيطرة، فإن تناول موضوع الطاقة المتجددة يستلزم تقديم رؤية شمولية تربط بين المعرفة التقنية، والتفاعل البيئي، والتدبير الترابي، والبعد الاستراتيجي، باعتبار الطاقة المتجددة إحدى الأدوات المركزية في خلق منظومات بيئية مرنة ومجتمعات منخفضة الكربون.

تنطلق الصورة العامة للطاقة المتجددة من تنوع مصادرها وامتداد تطبيقاتها، حيث تشمل الطاقة الشمسية، والرياح، والمياه، والأمواج، والمد والجزر، والطاقة الحرارية الجوفية، والكتلة الحيوية، والغاز الحيوي، والهيدروجين الأخضر، والطاقة المستخرجة من النفايات العضوية، وحتى الطاقة الزرقاء الناتجة عن فروق الملوحة بين المياه المالحة والعذبة.

هذه المصادر الطبيعية المتجددة ترتكز على خاصية رئيسية، وهي أنها موارد لا تنضب على المدى البعيد، وتوفر إمكانات هائلة للحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري، وفي الوقت نفسه تسمح بدمج المجتمعات البشرية في علاقة أكثر تناغماً مع محيطها البيئي.

وتُعدّ الطاقة الشمسية أبرز هذه المصادر، نظراً لتوفر الإشعاع الشمسي في أغلب مناطق العالم بما في ذلك المغرب الذي يشكل أحد أغنى الدول من حيث معدلات السطوع الشمسي.

وتعتمد تقنيات الطاقة الشمسية على نوعين رئيسيين؛ الأول هو الخلايا الكهروضوئية التي تُحوّل الفوتونات مباشرة إلى كهرباء عبر تقنيات متعددة تشمل الخلايا أحادية ومتعددة البلورات، وأغشية رقيقة، وخلايا بيروفسكايت عالية الكفاءة، وأنظمة هجينة تعتمد على دمج أكثر من تقنية لرفع الأداء.

أما النوع الثاني فهو الطاقة الشمسية الحرارية المركّزة التي توظّف مرايا ضخمة على شكل قطع مكافئ أو أبراج شمسية أو أطباق عاكسة بهدف تركيز الحرارة وتوليد البخار وتشغيل التوربينات، وهو ما يتيح إمكانية تخزين الحرارة في أملاح منصهرة، مما يضمن إنتاج الكهرباء حتى في غياب الشمس.

أما طاقة الرياح فتكتسب هي الأخرى أهمية متصاعدة، لاسيما في المناطق الساحلية حيث تتوفر سرعات رياح عالية وثابتة.

وتتطور هذه التكنولوجيا عبر توربينات ذات محور أفقي أو عمودي، سواء على اليابسة أو في البحر، ومنها ما يُثبت على قواعد عائمة تسمح بالاستفادة من أعماق بحرية أكبر. وتتطور أنظمة التحكم الذكية وتكنولوجيا المواد المركبة الخفيفة لرفع كفاءة التوربينات، بينما تسهم الطائرات المسيّرة في تشخيص أعطالها وتسهيل صيانتها.

وتبرز الطاقة المائية كأحد أقدم مصادر الطاقة النظيفة، حيث تُستعمل قوة تدفق المياه عبر السدود لتدوير توربينات متنوعة مثل فرانسيس وبيلتون وكابلان.

وتوجد أنظمة أخرى تُستغل فيها قوة الجريان الطبيعي للأنهار دون الحاجة إلى تخزين المياه، كما يتم تطوير تقنيات التخزين بالضخ التي تمثل بطارية طبيعية عملاقة تستخدم الماء لنقل الطاقة بين فترات الذروة والانخفاض. وإلى جانب ذلك، تبرز أشكال أخرى من الطاقة البحرية، مثل طاقة الأمواج التي تعتمد على حركة البحر الدورية، والطاقة المدّية التي تُستخلص عبر توربينات تحت الماء أو سدود خاصة تستغل تغير ارتفاع الماء.

وتُعدّ الطاقة الحرارية الجوفية مجالاً واعداً يعتمد على حرارة الأرض الداخلية لإنتاج البخار وتحريكه داخل محطات متخصصة، وذلك عبر آبار عميقة وأنظمة دورات حرارية ثنائية. ولا تقتصر استعمالاتها على إنتاج الكهرباء فقط، بل تستخدم أيضاً في التدفئة والتبريد الجيوحراري للمباني، وهي تقنية فعالة ومستمرة طوال العام.

وعلى مستوى آخر، تشكل الكتلة الحيوية رافداً مهماً للطاقة المتجددة، إذ تعتمد على المواد العضوية كالخشب والمخلفات الزراعية والفضلات الحيوانية لإنتاج الحرارة أو الكهرباء أو الوقود الحيوي السائل، عبر عمليات تشمل الحرق المباشر، والتحول الحراري، والتغويز، والتحلل الحراري. ويُستخلص من المواد العضوية أيضاً غاز حيوي عبر الهضم اللاهوائي، وهو ما يوفر مورداً طاقياً سريع الإنتاج ومتجدداً بشكل يومي.

ويتقدم الهيدروجين الأخضر كأحد أهم محركات المستقبل الطاقي، حيث يتم الحصول عليه عبر التحليل الكهربائي للماء باستخدام كهرباء من مصادر متجددة. ويُستخدم في الصناعة والنقل والتخزين، ويُنظر إليه كوقود خالٍ من الانبعاثات.

تشمل تقنيات إنتاجه أنظمة التحليل القلوي والـ PEM والدورات ذات الأكسيد الصلب، بينما تعتمد استعمالاته على خلايا الوقود والبنية التحتية للتخزين والنقل.

وتشكل النفايات العضوية مصدراً إضافياً للطاقة، سواء عبر الهضم الحيوي لإنتاج الغاز الحيوي، أو عبر محارق نفايات تنتج الكهرباء، أو عبر تحويل البلاستيك عبر عمليات حرارية إلى سوائل مشابهة للوقود الأحفوري، في إطار مقاربة الاقتصاد الدائري.

ولا تكتمل دينامية الطاقة المتجددة دون الإشارة إلى أنظمة التخزين، التي تمثل جزءاً أساسياً من استقرار الشبكات الكهربائية. وتشمل البطاريات بكل أنواعها مثل بطاريات الليثيوم، وبطاريات الحالة الصلبة، والبطاريات الجريانية، إضافة إلى التخزين الحراري والهيدروجيني والمائي.

أما الشبكات الذكية فتُعدّ الأداة التقنية التي تسمح بإدارة هذا التنوع والمرونة عبر العدادات الذكية، وأنظمة إدارة الطلب، والربط الكهربائي بين الدول.

ويتجاوز تأثير الطاقة المتجددة الجانب التقني ليصل إلى المستوى المجتمعي والاقتصادي. فالتطبيقات متعددة، تبدأ بالمنازل الشمسية والمباني الصفرية الطاقة، مروراً بالسيارات الكهربائية والزراعة الشمسية وتحلية مياه البحر عبر الطاقة الشمسية، وصولاً إلى الطائرات المسيّرة التي تعتمد على الطاقة النظيفة.

وتدخل هذه المنظومة ضمن سياسات عالمية تشمل اتفاق باريس، وأسواق الكربون، ودعم المشاريع الخضراء، وتشريعات الانبعاثات، وازدهار اقتصاد الهيدروجين، والاستثمارات البيئية المستدامة.

ومن منظور تدبير بيئي محلي، فإن إدماج هذه التقنيات في مدينة مثل القنيطرة يعكس توجهاً استراتيجياً نحو تعزيز المرونة المناخية، وتخفيف الضغط على الموارد، وتحسين جودة الهواء، وتحويل البنيات الحضرية إلى بيئات ذات بصمة كربونية منخفضة.

ويتطلب ذلك رؤية تكاملية بين التخطيط الترابي، وتدبير الموارد، والتحول نحو اقتصاد أخضر قادر على خلق فرص شغل جديدة وتعزيز القدرة الاجتماعية على التكيف.

وهكذا، تشكل الطاقة المتجددة اليوم نظاماً معقداً ومترابطاً يتجاوز مجرد إنتاج الكهرباء ليصبح مشروعاً حضارياً شاملاً، يربط بين العلم والتكنولوجيا والسياسات والبيئة والمجتمع. إنه مشروع يهدف إلى بناء مستقبل مستدام، لا تتحقق فيه التنمية على حساب البيئة، بل تنسجم فيه متطلبات الإنسان مع حدود الطبيعة، في أفق يجعل من المدن مثل القنيطرة نماذج محلية لانتقال طاقي ناجح ومندمج.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*