حين يتحول الرصيف إلى منصة انتخابية

حين يتحول الرصيف إلى منصة انتخابية

سياسي: رشيد لمسلم

لم يكن ما جرى بمحطة القطار الرباط المدينة فعلا احتجاجيا بقدر ما كان عرضا سياسويا رخيصا، استبدلت فيه نائبتان برلمانيتان قبة البرلمان بأرضية محطة تخضع لأشغال إعادة التهيئة، بحثا عن لقطة مثيرة لا عن حل واقعي.

مشهد مصطنع، محسوب الزوايا، موجه للكاميرات أكثر مما هو موجه لضمير المسؤولية.

الجلوس على الأرض بدعوى غياب الكراسي لم يكن صرخة مواطنين متضررين، بل حركة مسرحية مكرورة، عنوانها الشعبوية، ومضمونها استغلال ظرف مؤقت لضرب صورة مرفق عمومي وبلد يستعد لاستقبال تظاهرات قارية وعالمية كبرى.

الأكثر إثارة للسخرية أن إحدى النائبتين تنتمي لحزب يوجد في قلب الأغلبية الحكومية، وتزاحم بعض رموزه مع جدران السجون بسبب قضايا فساد وارتباطات مشبوهة.

ومع ذلك، لم نسمع يوما عن “قلق” مماثل داخل البرلمان، حيث تتوفر كل أسباب الراحة: كراس فاخرة، تكييف دائم، مطاعم، وتعويضات لا يعرفها أغلب المغاربة.

هناك، لم تتحول الكراسي إلى قضية رأي عام.

الواقع الذي جرى تجاهله عمدا، هو أن محطة الرباط المدينة، كغيرها من المحطات الكبرى في العالم، لا يمكنها استيعاب جميع المسافرين جلوسا خلال ساعات الذروة، كما في محطات العالم، خصوصا محطة الرباط المدينة تخضع لأشغال توسعة.

كما أن بدائل النقل والانتظار متاحة، وعلى رأسها محطة الرباط أكدال، المجهزة والمهيأة، لكن هذه المعطيات لا تخدم منطق الإثارة ولا تصلح لعناوين فيسبوكية سريعة.

القضية الحقيقية ليست نقص المقاعد، بل فائض النفاق السياسي.

لماذا لم تتحول معاناة المسافرين إلى سؤال برلماني طيلة خمس سنوات؟ لماذا لم يُستدعَ وزير، أو تُناقش المسألة داخل اللجان المختصة؟ الجواب بسيط: لأن الكاميرات لم تكن حاضرة، ولأن الاستحقاقات الانتخابية لم تكن تلوح في الأفق.

الأخطر من ذلك، أن هذا النوع من السلوك لا يسيء فقط لمرفق عمومي، بل يعمق فقدان الثقة في العمل السياسي، ويُصدر للخارج صورة عبثية عن نخبة تُفضل الاستعراض على الاقتراح، والفرجة على المسؤولية.

وإذا كان الادعاء هو الدفاع عن المواطن، فالأجدر التذكير بأن هاتين النائبتين لم تصلا إلى البرلمان عبر اختيار شعبي مباشر، بل عبر لوائح مغلقة وكوطا حزبية، حيث تلعب القرابة ورضى القيادات دورا أكبر من ثقة الناخب.

وهو ما يجعل الحديث المفاجئ عن “تمثيل المواطن” من أرضية محطة قطار، أقرب إلى المفارقة الساخرة منه إلى الفعل السياسي الجاد.

في النهاية، لا يحتاج المواطن إلى من يجلس على الأرض من أجله، بل إلى من يقف داخل المؤسسات ليحاسب، يقترح، ويشتغل… بعيدا عن عدسات الكاميرا.

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*