الزلزال السياسي داخل حزب التجمع الوطني للأحرار: بين المال والتنظيم وسؤال الانخراط الواعي
سياسي: رشيد لمسلم
عرف المشهد الحزبي المغربي في الآونة الأخيرة هزة قوية تمثلت فيما يمكن وصفه بـ“الزلزال السياسي” داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، وذلك عقب إعلان رئيسه عزيز أخنوش استقالته من رئاسة الحزب وإقراره بالابتعاد النهائي عن العمل السياسي.
هذا القرار، الذي نزل كالصاعقة على عدد من “مناضلي” الحزب، وأتباع قيادته، ومتابعي الشأن السياسي، فتح الباب أمام سلسلة من التفاعلات الداخلية، أبرزها تلويح عدد من العضوات والأعضاء بالاستقالة والترحال السياسي، وطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة الانخراط الحزبي، وحدود العلاقة بين السياسة والمال.
لم تكن استقالة عزيز أخنوش حدثاً عادياً، بالنظر إلى الرمزية التي راكمها الرجل داخل الحزب، والدور المحوري الذي لعبه في إعادة تشكيل صورته التنظيمية والانتخابية. فقد ارتبط اسم الحزب خلال السنوات الأخيرة بشخص رئيسه، سواء من حيث الخطاب أو التموضع السياسي أو حتى النتائج الانتخابية.
لذلك، فإن مغادرته المفاجئة كشفت هشاشة التوازنات الداخلية، وعرّت إلى حد بعيد طبيعة الانتماء لدى جزء من المنخرطين والتابعين…
أولى مظاهر هذا الارتباك تمثلت في موجة الاستقالات المحتملة أو المعلنة، وفي حديث متزايد عن “الترحال السياسي”، وهو سلوك لطالما طبع الحياة الحزبية بالمغرب. هذا الواقع يعيد إلى الواجهة سؤال الانخراط الحزبي: هل هو انخراط نابع من قناعة فكرية والتزام سياسي وبرنامجي؟ أم أنه ارتباط ظرفي بشخص أو بموقع قوة ونفوذ؟
في هذا السياق، يبرز بقوة النقاش القديم المتجدد حول ما يُسمى بـ“زواج السياسة بالمال”.
فقد ظل حزب التجمع الوطني للأحرار، في نظر عدد من المراقبين، نموذجاً لحزب نجح في استقطاب رجال أعمال وأعيان، مستفيداً من الإمكانات المالية في تقوية حضوره الميداني والانتخابي.
غير أن هذه المقاربة، وإن كانت فعالة على المدى القصير، تطرح إشكاليات عميقة على مستوى البناء الديمقراطي الداخلي واستدامة التنظيم.
فالانخراط السياسي، حين يكون مدفوعاً بالرغبة في التقرب من دوائر المال والثروة، يفقد معناه النبيل، ويتحول إلى مجرد وسيلة لتحقيق مصالح شخصية أو اجتماعية.
وهو ما يفسر، جزئياً، حالة الارتباك التي يعيشها الحزب اليوم: إذ بانسحاب “مركز الجاذبية”، ينهار الالتفاف الظرفي، وتظهر محدودية الانتماء القائم على الحسابات لا على القناعات.
في المقابل، يفرض هذا الوضع على ما تبقى من مناضلي الحزب، وعلى قيادته المستقبلية، فرصة تاريخية لإعادة طرح سؤال التنظيم من الداخل: أي حزب نريد؟ حزب أشخاص أم حزب مؤسسات؟ حزب مرتبط بالأفراد أم بالمشروع؟ إن الانتقال من منطق الزعامة القوية إلى منطق القيادة الجماعية والمؤسساتية يظل شرطاً أساسياً لتجاوز هذه الأزمة.
كما أن ما يحدث داخل التجمع الوطني للأحرار لا يمكن فصله عن السياق العام للحياة السياسية المغربية، حيث تعاني أغلب الأحزاب من ضعف التأطير الإيديولوجي، وتراجع الثقة، وهيمنة منطق الانتخابات على حساب العمل السياسي اليومي.
لذلك، فإن “الزلزال” الحالي لا يخص حزباً بعينه فقط، بل يعكس أزمة أعمق في تصور العمل الحزبي ودوره في الوساطة بين الدولة والمجتمع.
ختاما، يمكن القول إن استقالة عزيز أخنوش، وما تبعها من ارتدادات تنظيمية وسياسية، تشكل لحظة كاشفة بامتياز. لحظة تضع الجميع أمام مسؤولية مراجعة علاقة السياسة بالمال، وإعادة الاعتبار للانخراط الواعي القائم على القناعة والالتزام، لا على المصالح والبحث عن القرب من أصحاب النفوذ.
فبدون أحزاب قوية بمؤسساتها ومناضليها، يظل أي مشروع ديمقراطي معرضاً للهشاشة، مهما توفرت له الإمكانات المالية أو النجاحات الظرفية.
