مؤتمر الدموع: حين تتحول العاطفة إلى أداة سياسية

مؤتمر الدموع: حين تتحول العاطفة إلى أداة سياسية

سياسي:  رشيد لمسلم

لم يمرّ المؤتمر الأخير لحزب التجمع الوطني للأحرار كحدث سياسي عادي، بل أثار موجة واسعة من الجدل بعد المشاهد التي أظهرت وزراء وقيادات حزبية في حالة بكاء وتأثر، على خلفية الحديث عن رحيل عزيز أخنوش أو نهاية مرحلة من زعامته.

مشهد غير مألوف في العمل الحزبي، فتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول حدود العاطفة في السياسة، ووظائفها الخفية في لحظات بعينها.

 *من مؤتمر تنظيمي إلى عرض عاطفي

بدل أن يشكّل المؤتمر فضاءً لتقييم الأداء الحكومي، ومساءلة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، انزلقت أشغاله إلى مناخ عاطفي طغى على النقاش السياسي. الدموع التي ذُرفت لم تكن مجرد تعبير إنساني بريء، بل بدت، في نظر كثيرين، وكأنها أعادت توجيه بوصلة المؤتمر من قضايا المواطنين إلى تمجيد الأشخاص، ومن النقد الداخلي إلى الإجماع القسري.

 *العاطفة بدل المحاسبة* 

يأتي “مؤتمر الدموع” في سياق سياسي واجتماعي دقيق، يتسم بتحديات معيشية واضحة، واحتقان اجتماعي متزايد، وانتقادات لأداء الحكومة في ملفات حساسة.

غير أن هذه القضايا غابت إلى حد كبير عن الواجهة، ليحل محلها خطاب وجداني ركّز على الزعامة والوفاء، في تغييب شبه تام لمنطق ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي يُفترض أن يشكل جوهر أي ممارسة ديمقراطية.

 *زعامة تُحصَّن بالمشاعر* 

أحد أخطر ما كشفه المؤتمر هو الميل إلى تحصين القيادة السياسية بالعاطفة، وتحويل النقد إلى فعل غير أخلاقي أو خيانة معنوية.

فحين تبكي النخبة السياسية، يصبح من الصعب طرح الأسئلة الصعبة، أو مساءلة الحصيلة، دون أن يُنظر إلى ذلك كقساوة أو تجنٍّ.

وهنا، تتحول الدموع من تعبير إنساني إلى أداة رمزية لإغلاق النقاش.

 *رسائل مقلقة للرأي العام* 

في بلد يعاني فيه المواطن من غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، ومحاصرة عدد من مناطق المملكة بالفيضانات، واجلاء الأسر، وضياع الممتلكات والزراعة ، ….بدت مشاهد البكاء منفصلة عن نبض الشارع.

بل إن جزء من الرأي العام قرأها كنوع من الترف السياسي، أو كمحاولة لإعادة إنتاج صورة الزعيم القوي الذي لا يُناقَش، في وقت تتطلب فيه المرحلة جرأة في الاعتراف بالإخفاقات قبل الاحتفاء بالإنجازات.

 *السياسة ليست مسرحا* 

لا أحد يجادل في إنسانية الفاعل السياسي، ولا في حقه في التأثر، لكن الإشكال يبدأ حين تتحول السياسة إلى مسرح للعواطف، وحين يُستبدل النقاش العقلاني بالمشهدية. فالأحزاب لا تُقاس بدموع قياداتها، بل بقدرتها على تقديم حلول، وفتح نقاش داخلي صريح، وتحمل مسؤولية القرارات التي تمس حياة المواطنين.

لقد كشف “مؤتمر الدموع” عن أزمة أعمق من مجرد لحظة بكاء؛ أزمة خلط بين الشخصي والسياسي، وبين الزعامة والمؤسسات.

وإذا كان المؤتمر قد نجح في توحيد الصف عاطفيًا، فإنه أخفق، في نظر منتقديه، في تقديم إجابات مقنعة عن أسئلة المرحلة.

فالديمقراطية لا تحتاج إلى الدموع بقدر ما تحتاج إلى الشفافية، والنقد، والشجاعة السياسية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*