بورتريه الشيخ بلعربي..
روح الإيمان ونبض الوطنية: مسار الشيخ بلعربي
كتبها: أحمد رحمون
وُلد الشيخ محمد العربي صدوق، الذي اشتهر بين العامة بلقب الشيخ بلعربي، سنة 1933 بزمـران، وبالضبط بدوار أولاد اركيعة، في بيئة قروية بسيطة، لكنها مشبعة بالإيمان وحب العلم. ومنذ نعومة أظافره، كان القرآن الكريم رفيق دربه، يحفظه قلبًا عن ظهر قلب، حتى صار جزءًا من كيانه قبل أن يكون مجرد محفوظ.
وحين اشتد عوده، شدّ الرحال مبكرًا إلى مدينة مراكش، حالمًا بالاغتراف من معين العلم، فالتحق بحلقات جامع ابن يوسف، تلك المنارة العلمية العريقة التي كانت – ولا تزال – قرينة جامع القرويين بفاس.
هناك، عاش أجمل فترات حياته العلمية، متنقّلًا بين حلقات العلم، متتلمذًا على أيدي ثلّة من الشيوخ الفطاحل، في زمن كان فيه العلم يُؤخذ مشافهة، وتُصاغ فيه الشخصيات قبل الشهادات.
غير أن قسوة الظروف الاجتماعية، من غياب السكن وبُعد الأهل والديار، ثم ابتلاؤه بمرض عضال، فرضت عليه أن يطوي صفحة الدراسة النظامية.
لكن انقطاعه عن حلقات العلم لم يكن انقطاعًا عن العلم نفسه؛ إذ ظلّ حافظًا لبعض المتون الكبرى، من بينها مختصر خليل، أحد أعمدة الفقه المالكي، ومتن ابن عاشر، شاهدًا على رسوخ قدمه في الطلب، وإن حالت الأقدار دون إتمام المسير.
في أواخر الأربعينيات، قادته زيارة عائلية إلى مدينة الرماني، صلةً للرحم بأبناء عمومته، غير أن للقدر رأيًا آخر؛ فكانت تلك الزيارة بداية استقرارٍ دائم، وحياة جديدة لم يكن قد خطّط لها.
في المسجد الأعظم بالرماني، وجد الشيخ ضالته، فانخرط في خدمة القرآن، مساعدًا الفقيه الحاج محمد أبو سعيد في تحفيظ كبار السن، جامعًا بين التواضع وخدمة العلم دون ضجيج.
لم يلبث أن تصاهر مع عائلة أبو سعيد، فكوّن أسرة، وتحمل مسؤوليات الحياة.
بدأ مساره المهني بالتجارة في الأسواق الأسبوعية التابعة لدائرة الرماني، ثم استقر به المقام بفتح محل لبيع المواد الغذائية بدوار الدوم، جامعًا بين الكسب الحلال وخدمة الناس.
وكان الشيخ، إلى جانب ذلك، متابعًا واعيًا لما يجري في وطنه.
راقب عن كثب مسار الحركة الوطنية، وتأثر عميقًا بالأحداث السياسية الكبرى، خاصة نفي السلطان محمد الخامس رحمه الله.
تعاطف في البداية مع حزب الاستقلال، قبل أن ينخرط في صفوف حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
وبعد سنوات من النضال، اختار – لأسباب شخصية – أن يعتزل السياسة، مفضّلًا التفرغ لتربية أبنائه ومواصلة تجارته في هدوء وكرامة.
سنة 1975، اختير عونًا للسلطة بدرجة شيخ، فكان مثالًا للحكمة والتوازن.
كما كان من بين أعضاء اللجنة التأطيرية المحلية للتحضير للمسيرة الخضراء، ونال شرف مرافقة المتطوعين إلى أقاليمنا الصحراوية المسترجعة، مساهمًا، ولو بصمت، في لحظة وطنية خالدة.
وقبل أشهر قليلة من وفاته، عاد إلى مسقط رأسه بعد غياب دام عقودًا طويلة، فالتقى بأخيه، وكأن الدائرة قد أُغلقت بهدوء، ليودّع الأمكنة الأولى التي شكّلته.
وفي يوم 22 يناير 2017، أسلم الشيخ محمد العربي صدوق روحه لبارئها، عن عمر ناهز 85 سنة، ودُفن بمقبرة سيدي منصور بالرماني، تاركًا وراءه سيرة رجلٍ جمع بين القرآن، والعلم، والعمل، والوطنية، في صمت الكبار.
