رجال الأمن الخاص :
ظلال القوة الهشة: حراس العتبات المنسيون
بقلم الدكتور سدي علي ماءالعينين, أكادير,ابريل, 2026
بين صرير الأبواب الحديدية وزفير الممرات المكتظة، يقف “رجل الأمن الخاص” كجدار بشري، لكنه جدار مكسوّ ببدلة لا يملك ثمن كيّها، وقبعة توحي بسلطة هو أول ضحاياها.
إنه الكائن الذي استُبدلت إنسانيته بعضلات مفتولة، وطُلب منه أن يكون عيناً لا تنام في مقابل رمقٍ لا يكاد يُشبع.
هؤلاء الواقفون على تخوم المؤسسات، ليسوا سوى “سيزيف” العصر الحديث؛ يحملون صخرة النظام على أكتافهم طوال اليوم، وفي المساء يعودون بجيوب خاوية إلا من بضع دراهم استجدوها من عابر سبيل أو مريض ضاقت به السبل، لتتحول تلك العطايا في مخيالهم الصغير إلى “شرعية” يمارسون بها تسلطاً وهمياً، يعوضون به نقصهم الاجتماعي أمام نظرات الاحتقار التي تلاحقهم.
إنهم يعيشون في تلك المنطقة الرمادية القاتلة؛ فهم ليسوا رجال أمن رسميين يتدثرون بهيبة الدولة وقوانينها، ولا هم عمال بسطاء يملكون ترف الاختفاء عن الأنظار.
هذا التيه الطبقي جعل من أجسامهم الضخمة مجرد “ديكور” لترهيب الضعفاء، بينما تظل أرواحهم رهينة لشركات وساطة تبيع جهدهم بعقود لا تضمن كرامة ولا تحفظ حقاً.
وفي المستشفيات، تحول هذا “الحارس” إلى وسيط قسري بين الموت والحياة، وبين الطبيب والمريض؛ يمتلك مفاتيح الدخول التي لم تمنحها له الإدارة، بل انتزعها بحكم سيطرته على العتبة، ليتحول من مجرد موظف بسيط إلى “إمبراطور الظل” الذي يقرر من يحق له العلاج أولاً، في مشهد سريالي يختلط فيه الفساد الأخلاقي بمرارة الحاجة الماسة.
ومع ذلك، فإن القسوة التي يبديها هؤلاء في وجوه الناس ليست سوى انعكاس للقسوة التي تمارسها ضدهم منظومة التشغيل.
إنهم ضحايا “الاستغلال المقنع”؛ حيث تُطلب منهم صرامة العسكر وصبر الأنبياء ولباقة الدبلوماسيين، كل ذلك مقابل فتات لا يسد رمق عائلة.
إن تلك “العنجهية” التي قد تصدر عن أحدهم عند بوابة المستشفى أو المؤسسة، ليست في جوهرها إلا صرخة صامتة لإثبات الوجود في مجتمع لا يراه إلا كأداة للفتح والإغلاق.
إننا أمام فئة تُركت لمواجهة الجمهور وجهاً لوجه، بلا تكوين حقيقي ولا حماية قانونية، فصارت تمتص غضب الناس وتفرغه فيهم في دائرة مغلقة من العنف المتبادل، ليظل الحارس في النهاية مجرد ترس صدئ في آلة لا ترحم، يحرس ثروات وأرواح الآخرين بينما تظل كرامته الشخصية في مهب الريح.
فهل تعتبرون ؟
