سياسة الـ One Man Show: من القيادة إلى العرض المسرحي
كتبتها: نادية واكرار
لم تعد السياسة للاسف وفي كثير من تجلياتها المعاصرة فضاء لإنتاج الأفكار أو إدارة الاختلاف أو بناء المشاريع المجتمعية كما عهدناه، بل أخذت تنزلق تدريجيا نحو ما يمكن تسميته بـ “سياسة الـ One Man Show”… حيث يحتل السياسي خشبة المسرح منفردا ويصبح حضوره الشخصي أهم من مضمون خطابه، فيما تتحول المنابر الإعلامية ومنصات التواصل الاجتماعي إلى مسارح للعروض الشخصية أكثر منها فضاءات للنقاش العمومي…
هذا يعني ان الصورة أصبحت تتقدم على الفكرة والصوت يعلو على الحجة والانفعال يسبق العقل…
فبدل أن يقود السياسي المجتمع عبر الرؤية والبرنامج، أصبح يقوده عبر الأداء والإثارة والاستعراض ثم مؤخرا صناعة المشهد… لم يعد النجاح السياسي يقاس بقدرته على حل الأزمات أو تقديم البدائل، وإنما بعدد المقاطع المنتشرة، و الصور المنشورة وحجم التفاعل، ومدى قدرته على احتلال المجال الرقمي…
في الفلسفة، كان الفضاء العمومي كما تصوره يورغن هابرماس مجالا للنقاش العقلاني الذي تتواجه فيه الحجج بحرية ومسؤولية.
أما اليوم، فقد اصبح هذا الفضاء يتعرض لإعادة تشكيل عميقة وعشوائي، حيث حلت الفرجة محل الحوار، وتحول المواطن من فاعل سياسي إلى متفرج يستهلك المشاهد السياسية كما يستهلك العروض الفنية.
ما نعيشه مؤخرا ليس مجرد تغير في أدوات التواصل بقدر ما هو تحول في طبيعة الفعل السياسي نفسه… فـ”السياسي المؤدي” أصبح ينافس الفنان والكوميدي والمؤثر الرقمي على الانتباه الى درجة ان الخطاب السياسي صار أقرب إلى عرض One Man Show منه إلى ممارسة ديمقراطية قائمة على المسؤولية والمساءلة…
والأخطر من هذا أن هذا التحول يساهم في تكريس ما يمكن تسميته بـ “الاستهلاك الفكري”؛ إذ يُدفع بالمواطن إلى استهلاك الانفعالات بدل الأفكار، والشعارات بدل التحليل، واللقطات المختزلة بدل البرامج….هنا تتحول السياسة إلى سلعة إعلامية، ويصبح الرأي العام سوقا للمشاهدات لا فضاء للمواطنة الواعية…
إن الاستعراض السياسي ليس في ذاته مشكلة إذا ظل وسيلة لتقريب الأفكار، لكنه يصبح خطرا عندما يتحول إلى غاية او الأداء البديلة للكفاءة، والصورة البديلة للمشروع، والشخص بديلاً للمؤسسة.
وهو الشيء الذي يدخل السياسة في مرحلة “الشخصنة”… بحيث يختزل الحزب في زعيم والمؤسسة في فرد، والدولة في صورة إعلامية…!
ولعل هذا ما يفسر تصاعد الخطابات الصاخبة و الشعباوية والتهكم والمبالغات، المواجهات المسرحية التي ترفع نسبة الادرينالين خلال مدة الالقاء و تنتج الإثارة أكثر مما تنتج الحلول الدائمة والحقيقية…
نحن للاسف امام سياسة تبحث عن التصفيق لا عن الإقناع…. وعن الجمهور لا عن المواطن وعن الانتشار لا عن الأثر.
كلنا نعلم ان الديمقراطية لا تقاس بقدرة السياسي على خطف الأضواء بل بقدرته على بناء الثقة وصناعة الأمل وتقديم رؤية قابلة للتنفيذ… الا انه وحين تتحول السياسة إلى عرض فردي دائم، فإننا وللاسف امام مؤسسات ستضعف شيئا فشيء و النقاش العمومي سيتراجع وسيصبح العقل الجماعي عقما و رهينة لمنطق الفرجة… وربما هذا هو الهدف من كل هذه المسرحيات!!!
لم يعد السؤال اليوم: من يقود المجتمع؟ بل أصبح: من يملك القدرة الأكبر على صناعة العرض؟ وعندما يصبح هذا السؤال هو المعيار… فإننا لا نكون أمام تطور في السياسة، بل أمام انتقالها من فضاء الفكر إلى فضاء الترفيه، ومن منطق الدولة إلى منطق المسرح.
ويبقى التحدي الحقيقي ليس فقط في تجديد النخب وتغيير مسارها او تموقعها… بل إعادة الاعتبار للفكرة قبل الصورة وللمشروع قبل الشخص وللمؤسسة قبل البطل، حتى تستعيد السياسة معناها بوصفها فنا لتدبير الشأن العام، لا فنا لإدارة التصفيق او عرضا مسرحية.
