رسالة مفتوحة إلى قيادة حزب العدالة والتنمية

من أجل ولادة ثالثة لحزب العدالة والتنمية
(رسالة مفتوحة إلى قيادة الحزب)

حسن حمورو

يجتاز حزبنا فترة حرجة من مساره، تكاد تكون الاولى من نوعها، بالنظر الى الظروف والمعطيات التي افرزتها، وبالنظر الى مستوى الاتفاق والاختلاف بين قيادة الحزب حول أسلوب التفاعل مع هذه المعطيات والتعامل معها، مما يجعلنا أمام منعرج ليس من المبالغة وصفه بالخطير، سيتطلب منا جميعا درجة عالية من الصراحة والصدق والجراة والشجاعة فيما بيننا لنقول الكلام الذي ينبغي أن يقال، ولاتخاذ المواقف المناسبة للحفاظ على صورة الحزب أمام أعضائه وأمام المواطنين، وإعادة تفعيل آليات التعبئة داخله ولو بعد حين.

لقد كان إعفاء الأخ الأمين العام من مهمة تشكيل الحكومة، لحظة قاسية على الحزب وعلى المواطنين أيضا، وذلك لأن هذه المهمة هي التي أطرت في العمق خوض الحزب لانتخابات السابع من أكتوبر 2016، ومن أجلها شهدت الحملة الانتخابية ما شهدته من اقبال منقطع النظير على الحزب، وعلى المهرجانات الانتخابية التي أطرها الأمين العام، وشكلت عنوانا للتلاحم بين الحزب وناخبيه، وعنوانا للنجاح في الانتقال بالاصلاح السياسي في البلاد الى مستوى تُحترم فيه ارادة الشعب، ويكون فيه لصوت المواطن قيمة واعتبارا.

ويظهر من خلال تفكيك كل الأحداث التي عرفها المشهد السياسي في البلاد، منذ بداية الإعداد لانتخابات السابع من اكتوبر، والى غاية اعلان تعيين شخصية ثانية من الحزب برئاسة الحكومة، أن القيادة السياسية للحزب بما فيها الاخ الامين العام، ارتكبت أخطاء في التقدير وفي الاشتباك، أدى تراكمها الى ما نحن عليه اليوم.

غير أن المطلوب هو النظر الى المستقبل كما أجمع عليه أعضاء الأمانة العامة في اجتماعاتهم الأخيرة، ولملمة الجراح والخسائر في أقرب الآجال، لاستعادة التوازن والانطلاق من جديد نحو غاية الحزب، لكن -بالضرورة- بنَفَس جديد وبأفق متجدد وبحماسة مرتفعة، تمكننا من تجاوز هذه الفترة الحرجة وعدم التوقف كثيرا عند مسبباتها إلا في حدود أخذ العبرة.

لقد راكم الحزب سنوات من التقدم السياسي والانتخابي بفضل الجدية والمصداقية اللتان ميزتا حضوره خطابا وممارسة، وتفوق على مكونات حزبية سبقته بالتجربة، ومكونات أخرى استمدت دائما تواجدها الانتخابي من جهات في الادارة، وبلغ هذا التقدم أوجه خلال انتخابات 2015 و 2016 على الرغم من كل محاولات التأثير على اختيار المواطنين، وأحرز حزبنا نتائج غير مسبوقة ترجمت الروح التي بثها بين الناس وعكست التقدير الذي يحظى به عند شرائح مختلفة من المجتمع.

وقد لعب الأخ الأمين العام دورا كبيرا في هذا التقدم والانتصار الانتخابيين، بما تحلى به من صفات القائد للمعركة المنفذ لأطروحة الحزب الجماعية سواء الصادرة عن المؤتمر الوطني السادس، أو المؤتمر الوطني السابع، وكان له دور فعال في ما تحقق بإشراكه للمواطنين في معادلة السياسة وتقريبها من العموم والمساهمة في مصالحتهم معها، بما شهدت به مستويات متابعة لقاءاته الجماهيرية أو لقاءاته الرسمية في البرلمان وفي غيره.

هذا الدور إلى جانب أدوار أخرى ساهم فيها أعضاء الأمانة العامة وعموم المناضلين، نقل الحزب إلى ما يمكن أن نسميه التنظيم التيار، وجعله في موقع قيادة تيار مجتمعي، وليس مجرد حزب يفوز في الانتخابات، وكان طبيعيا أن يزعج الوضع الجديد للحزب أطرافا كثيرة، منها ما تربطها بالحزب علاقة ثأر انتخابي، أو خصومة ايديولوجية، لكن أساسا مع أطراف ظلت تعتقد أنها حارسة لنموذج تقوم عليه الدولة وتقوم عليه العلاقات داخلها، ونموذج لتدبير علاقة الدولة بالمجتمع.

ولذلك كان متوقعا من هذه الأطراف اللجوء إلى مختلف الأساليب والوسائل، لكبح استمرار تدفق الروح التي خلقها الحزب وحفزها، ولم يكن من طريقة أسهل وأنجع سوى الاستهداف المباشر لرمز هذه العملية الأخ الامين العام، خاصة بعد أن حوّل رئاسة الحكومة إلى مركز قوة لصالح الحزب ولصالح الشعب.

إن ما وقع لا ينبغي التعامل معه على أنه مجرد استهداف عادٍ في السياق المذكور، أومجرد اختلاف في التقدير بين القيادة أثناء تدبيرها لهذا الاستهداف، ولا ينبغي حصر أثره في مجرد موقع حكومي أو علاقة مع السلطة أو حتى مع المواطنين بخلفية انتخابية، إن ما وقع يُسائل في الجوهر مجموع القناعات التي نعتقد جميعا أن الحزب تأسس عليها، ويُساءل مختلف الأدبيات التي أطرت الحياة الداخلية للحزب وحكمت مواقفه، ويُسائل الرهانات التي بني عليها الحزب، مما يجعل الخوض فيها يتطلب إحداث مراجعات عميقة تهدف إلى إعادة النظر في نموذجنا الحزبي كأداة إصلاحية في المجتمع وفي الدولة من خلال المؤسسات المنتخبة، وعلى الحزب اليوم أن يجتهد في ايجاد أجوبة مناسبة لأسئلة فرضتها التحولات التي تعرفها البلاد، أو تدقيق الجواب على أسئلة ظلت مرافقة لممارستنا الحزبية ومنها:

ماهي رسالة الحزب الحقيقية؟ كيف ينبغي أن تظهر مرجعية الحزب الإسلامية في خطابه وقراراته؟ كيف ينظر الحزب الى بنية الدولة وحدود المتاح فعله والمسموح القيام به للفاعل الحزبي صاحب الشرعية الانتخابية؟ هل يتابع الحزب ويرصد الخلفيات النظرية والتاريخية المؤطرة لاختيارات الدولة؟ هل ما يزال مفيدا استمرار الحديث عن علاقة الحزب بحركة التوحيد والاصلاح بمعطيات مرحلة الإحياء والتوسع (الولادة الثانية للحزب)؟ ما هو حجم التفاعل مع السياق الدولي والاقليمي المؤثرين على حركية الحزب داخليا؟ من اين يستقي الحزب معلوماته وكيف يلتقط الاشارات التي تعنيه في مجال تدخله؟ الم يحن الوقت لإعادة صياغة نموذج تنظيمي أكثر عصرنة واستجابة للتحديات التنظيمية؟

إن الخروج من المأزق الذي دخله حزبنا منذ لحظة إعفاء الأخ الأمين العام من مهمة تشكيل الحكومة بعد انتخابات 7 أكتوبر، لن يتأتى من خلال المدخل التنظيمي فحسب، المتجسد في إنجاح المؤتمر الوطني الثامن، على الرغم من أهمية هذا الرهان، لأن الأزمة أعمق بكثير من أن تكون تجلياتها تنظيمية فقط، وإنما فكرية وسياسية في الأصل، وبالتالي فإن النسخة الحالية للحزب انتهت عمليا، وسنكون إزاء ولادة ثالثة للحزب بعد المؤتمر الوطني الثامن، وعلينا أن نختار بين أن تكون هذه الولادة لحظة تأسيس لنموذج حزبي حديث ممتلك لمقومات الإسهام الحقيقي في الإصلاح السياسي في البلاد، وبين أن تكون هذه الولادة نسخة إضافية للأحزاب التي فقدت جانبا كبيرا من مصداقيتها أمام الشعب، وجعلت نفسها ناطقة باسم جهات ولوبيات نافذة في السلطة، أو قبلت أن تبدد رصيدها لتتحول إلى جماعة وظيفية، تؤدي أدوارا محددة ضمن سيناريوهات معينة تتداخل فيها رغبات الداخل والخارج.

حسن حمورو
عضو المجلس الوطني للحزب

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*