فضيحة: حقوقيون يبتزون القضاء دفاعا عن بوعشرين “مغتصب نساء”

سياسي : علي المهدي

أعلن مجموعة من الأشخاص في نهاية الأسبوع المنصرم إنشاء ما سموه “لجنة الحقيقة والعدالة” لمتابعة مجريات قضية توفيق بوعشرين، مدير أخبار اليوم وموقع “اليوم 24” المتهم بالاتجار في البشر والاستغلال الجنسي والاغتصاب. …
من الوهلة الأولى ومن خلال اسم هذه اللجنة قد يظن المرء أنها ستسعى فعلا إلى تحري الحقيقة بحياد ودون مساندة طرف على أخر، وأن الواقفين وراءها يرومون تحقيق العدل بدون اعتبار لعوامل أخرى مثل طبيعة الأشخاص وروابطهم وسلطتهم المالية أو الإعلامية أو أي اعتبار آخر…
ولكن عندما نقترب أكثر وندقق النظر في هذه “اللجنة” العجيبة، يتبين أن عنوانها خادع وكاذب، لأن من يقفون وراءها لا يسعون وراء الحقيقة والعدل كما يدعون كذبا، بل يهدفون إلى مناصرة طرف على آخر في هذه القضية ذات الطابع الجنائي الصرف.
فلو كان أصحاب هذه اللجنة صادقين فعلا في مسعاهم لكانوا تصرفوا بشكل مختلف ولا أصروا على حضور كل أطراف القضية وليس طرف واحد.
والحال أنه أثناء تأسيس هذه اللجنة؛ حضرها أصدقاء المتهم، وحضر أحد محاميه على الأقل، بل وحضر حتى فرد من عائلته.
وتحدث هؤلاء عن المتهم دون المتشكيات.
فحامي الدين مثلا تحدث ودافع عن المتهم، واعتبر أنه “لا يجب أن يحرم من حريته”، ولم يأت على ذكر الضحايا ولا أبدى أي تعاطف مع معاناتهم والتشهير الذي يتعرضن له.
وعبد المولى المروري، محامي المتهم، تحدث بدوره عن ما سماه “المساطر التي تم خرقها في قضية بوعشرين”، بل إن مؤسسي اللجنة استدعوا أخ المتهم ليدافع عنه بدوره.
لو كانت هذه اللجنة تروم فعلا “الحقيقة والعدل” لتجشم مؤسسوها عناء منح الكلمة للمشتكيات، أو من يمثلهن، والاستماع إلى حكاياتهن المؤلمة.
نعم الاستماع فقط إليهن، ومثلا إلى حكاية تلك المستخدمة الحامل التي تقول إنها لم يرحم جنينها وأرغمها على ممارسات شاذة يتلذذ بها، والتأمل في تهمة اعتدائه على زوجة زميله دون أي اعتباره له ولعرضه.
ولكن طبعا لا شيء حدث من هذا، ولن يحدث لسبب بسيط على ما يبدو، وهو أن هؤلاء الذين يدعون البحث عن “الحقيقة والعدل” لا يعترفون بهن ولا بآلامهن، ويعتبرون أنهن خصمات بل عدوات، فقط لأنهن يقفن في الطرف الآخر من القضية.
إن من يدعون “الحقيقة والعدل” ينسفون أول مبادئ العدل وهو الإستماع إلى كل أطراف القضية ومعاملتهم على قدم المساواة، والحال أن هؤلاء المدعون قدموا المتهم وأقصوا المشتكيات دون أن يرف لهم جفن. وحكموا عليهن حتى دون ان يستمعوا إليهن. وقضوا في حقهن بأقسى عقوبة اجتماعية وهي الإقصاء التام، ونزلوا عليهن بعقوبة الصمت.
فالمشتكيات لا يستحقن إسماع صوتهن وآلامهن، في نظر هؤلاء “الحقوقيين والناشطين والصحافيين” المدعين، لأنهن صرخن في وجه مدير أخبار اليوم وكسرن جدار الصمت على ما يجري خلف الأبواب المغلقة للمكاتب وعلى الكنبات القذرة.. لأنهن رفضن الاستمرار في الخضوع للابتزاز والاستغلال وحتى الاستعباد.
وحتى لو فرضنا أن هناك طرف ضعيف في هذه القضية، ويستحق أن يخف الحقوقيون والناشطون إلى مساعدته، فإن هذا الطرف سيكون، ولا شك، هو المشتكيات، اللواتي لا يملكن لا العلاقات المتشابكة للمتهم ولا قدراته المالية التي مكنته من تجنيد نقباء “كبار” بل وحتى محاميين دوليين لمؤازرته.. هؤلاء المتشكيات اللواتي يمثلن شريحة كبيرة محكوم عليها بالصمت والخضوع لأنواع مهنية من الاستغلال والتعذيب النفسي.. هؤلاء المشتكيات اللواتي يتعرضن لأبشع أصناف التشهير والوصم لأنهن فقط رفضن الاستغلال والاستمرار في نهش أجسادهن بشكل مرضي.
إذن، فالبحث عن الحقيقة والعدل براء من هذه اللجنة/ الكذبة الجديدة.
وهي في الحقيقة محاولة أخرى لما تبقى من فلول المتعاطفين مع المتهم لجر هذا الملف والجنائي الصرف إلى ساحة أخرى غير ساحة القضاء، ومحاولة لإلباس ملف تفوح منه رائحة الاستغلال الجنسي والاغتصاب والاستعباد لباسا حقوقيا وسياسيا لا يليق به بالمرة.
إن هذه اللجنة مجرد محاولة يائسة لمحيط المتهم، الذي يبدو أنه مقتنع في دواخله أن الرجل متورط في التهم المنسوبة إليه، وأن الأدلة القوية التي تتوفر عليها النيابة العامة لا يمكن دحضها بالسبل القانونية الخالصة.
فما تبقى من فلول المتعاطفين مع المتهم لم يبق أمامهم سوى بعض الفرقعات الإعلامية التي تحيى لبعض الوقت على الشبكات الاجتماعية قبل أن تتلاشى مثل خيط دخان واهن.
وهذه اللجنة ليست سوى فرقعة أخرى خلت من قبلها الفرقعات الفاشلة (مثل استدرار تصريحات من سياسيين من قبيل محمد اليازغي أو محمد بنسعيد أيت يدر، أو بعض الحقوقيين الحقيقيين الذين خدعهم محيط المتهم ومدهم بمعطيات ناقصة وغير دقيقة عن القضية…).
الحسنة الوحيدة لهذه اللجنة الخادعة انها ستسقط مزيدا من الأقنعة وستكشف الكثير من الوجوه عن حقيقتها، وستعري ادعاءاتها الدفاع عن القيم والأخلاق والحقوق والمرأة والكرامة، وكل ذلك الكلام الكبير الذي لا يكف عن ترديده معظم من أعلنوا انضمامهم إلى “هيئة الحقيقة والعدل” هذه التي تريد على ما يبدو ابتداع “حقيقتها” المزيفة و”عدلها” المزور ضدا على الواقع والوقائع، ضد على الأدلة والبراهين. لكن هيهات ثم هيهات.
إن قضية بوعشرين والتهم المنسوبة إليه ستسحم على ساحة القضاء وفي قاعة المحكمة، وبالدلائل والبراهين الثابتة وليس بالكلام المنمق واللجن المدعية والبيانات الخادعة التي لا يصدقها حتى أصحابها، الذين أكاد أجزم أنهم يقولون حين يختلون بأنفسهم “رباه ، ما أفظع ما اقترفه هذا الرجل ويُفرض علينا الادعاء والكذب لمساندته”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*