عبد النباوي: أشكر دعم الملك محمد السادس لاستقلال السلطة القضائية وحرصه على إرساء قواعدها على أرضية صلبة و الحاجة المستمرة للدعم الملكي خدمة للوطن

قدم محمد عبد النباوي الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة، مساء يوم الثلاثاء 12 يونيو 2018 بمقر رئاسة النيابة العامة بالرباط التقرير السنوي حول تنفيذ السياسة الجنائية وتطوير أداء النيابة العامة برسم سنة 2017.
ويرتكز هذا التقرير على مجموعة من المقتضيات الدستورية والقانونية التي تلزم رئيس النيابة العامة رفع تقريره إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ويتعلق الأمر بالفصول 107 و110 و116 من الدستور والمادة 110 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وكذا مقتضيات القانون رقم 33.17 المتعلق بنقل اختصاصات السلطة الحكومية المكلفة بالعدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيساً للنيابة العامة؛
الإطار القانوني
عرف مسار استقلال النيابة العامة أطواراً مختلفة بدءاً من تعيين الوكيل العام للملك رئيس النيابة العامة بتاريخ 03 أبريل 2017، وتنصيب المجلس الأعلى للسلطة القضائية بتاريخ 06 أبريل 2017 مروراً ببذل الجهود الضرورية السابقة لتأسيس رئاسة النيابة العامة، والتي تمحورت حول المساهمة في إعداد مسودة القانون رقم 33.17 ضمن لجنة مشتركة ضمت ممثلي وزارات العدل والمالية والأمانة العامة للحكومة بالإضافة إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، والسعي لتوفير مقر مؤقت لرئاسة النيابة العامة، وتوفير الموارد البشرية اللازمة للقيام بمهامها، وصولا إلى يوم 06 أكتوبر 2017 وهو التاريخ الذي جرى فيه حفل تسليم السلط بين وزير العدل والوكيل العام للملك رئيس النيابة العامة تحت الرعاية الملكية السامية وبحضور مستشار جلالة الملك عمر عزيمان، حيث أكد رئيس النيابة العامة خلاله على اعتزازه بالرعاية الملكية السامية، وتوجه بالشكر إلى صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده على دعم جلالته لاستقلال السلطة القضائية وحرصه على إرساء قواعدها على أرضية صلبة. معبراً عن الحاجة المستمرة للدعم الملكي، وأكد عزمه الاشتغال ليل نهار لاستحقاق الثقة المولوية الغالية بخدمة قضايا الوطن والتفاني في الاهتمام بمطالب المواطنين من آليات العدالة، في إطار ما خوله القانون للنيابة العامة من صلاحيات وما أسنده لها من سلطات.
سير أداء النيابة العامة
تناول تقرير رئيس النيابة العامة في بابه الأول سير أداء النيابة العامة، حيث استعرض الإطار القانوني لعمل قضاة النيابة العامة بدءاً من المقتضيات الدستورية التي تؤطرها خاصة المواد 110 و117 و128 من دستور 2011، وتحديد الخصائص التي تميز طبيعة عمل قضاة النيابة العامة وأبرزها خضوعهم للسلطة الرئاسية، ووحدة أعضائها وعدم قابليتهم للتجريح، وصفتهم القضائية وعدم توفرهم على حصانة النقل والعزل التي خص بها الدستور قضاة الأحكام وحدهم، ثم تمثيلية النيابات العامة لدى جل المحاكم باستثناء المحاكم الإدارية التي لا ينص القانون المحدث لها على وجود نيابة عامة بها.
كما استعرض تقرير السياسة الجنائية لسنة 2017 أهم الصلاحيات والاختصاصات المنوطة بقضاة النيابة العامة وأبرز بلغة الأرقام والجداول معطيات إحصائية تهم قضاة النيابة العامة والنشاط العام للنيابات العامة بحسب المهام المنوطة بقضاتها، وكذا النشاط الخاص للنيابات العامة.
ثم تناول أبرز الإكراهات التي تثقل كاهل النيابات العامة، وتشكل عوائق حقيقية في تنفيذها للمهام التي أوكلها المشرع تنفيذها سواء في الميدان الجنائي أو المدني أو التجاري أو الأسري، بالإضافة إلى الاختصاصات ذات الطبيعة الإدارية، وترتبط هذه الإكراهات بالموارد البشرية المتوفرة من حيث حجمها وتخصصها وتكوينها المستمر وإكراهات مادية وتقنية ولوجيستيكية مرتبطة بظروف العمل، بعد ذلك تم وضع تصور لآفاق المستقبل لتجسيد شعار “القضاء في خدمة المواطن”، ومن ثم ضرورة التفكير في آليات لتطوير أداء النيابات العامة.

تنفيذ السياسة الجنائية
بصدور القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ومن خلال مقتضيات المادة 110 منه، فإن الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بصفته رئيساً للنيابة العامة هو المسؤول عن تنفيذ السياسة الجنائية، وملزم بتقديم تقريره بذلك إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وهو الأمر تضمنه قرار المجلس الدستوري رقم 991.16 بتاريخ 15 مارس 2016 بمناسبة دراسته لملاءمته المادة 110 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية للدستور وهو الذي أكد أيضا أن المشرع هو المختص بوضع السياسة الجنائية. كما أن القانون رقم 33.17 نقل السلطات التي كان وزير العدل يمارسها على النيابة العامة وقضاتها إلى الوكيل العام للملك رئيس النيابة العامة ابتداءاً من سابع أكتوبر 2017 بما في ذلك سلطة الإشراف على تنفيذ السياسة الجنائية؛
وفي إطار تنفيذ السياسة الجنائية، بادر الوكيل العام للملك رئيس النيابة العامة في أول يوم من تقلده لمهامه إلى توجيه المنشور (رقم 1) إلى جميع أعضاء النيابة العامة يحثهم فيه على السهر على احترام القانون والاستجابة لتطلعات المجتمع المغربي من إقرار استقلالية النيابة العامة، كما أوضح المنشور المذكور أولويات السياسة الجنائية -وإن كانت هذه الأولويات مسألة قابلة للتغيير تبعاً للظروف الأمنية والاجتماعية والاقتصادية نفسها.
وتم تجسيد هذه الأولويات في تقرير السياسة الجنائية من خلال استعراض نشاط النيابة العامة في مجال مكافحة الجريمة الإرهابية سنة 2017، ونشاطها في مكافحة الجرائم المرتكبة ضد الأشخاص خلال نفس السنة، بالإضافة إلى نشاط النيابة العامة في مكافحة الجرائم المرتكبة ضد الأموال، ونشاط النيابة العامة في مكافحة الجرائم الماسة بنظام الأسرة والأخلاق العامة، ونشاط النيابة العامة في مكافحة الجرائم المرتكبة ضد الأمن والنظام العام، وفي مكافحة جرائم التزوير والتزييف وانتحال الصفة، ومكافحة الجرائم المنظمة بمقتضى قوانين خاصة كالغش في المواد الغذائية وقضايا التهريب والهجرة السرية وقضايا الصحافة والجمعيات وقضايا التعمير والبيئة، بالإضافة إلى نشاط النيابة العامة في مكافحة جرائم المخدرات. كما ركز رئيس النيابة العامة على تحقيق الأمن العقاري وجعله أولوية من أولويات السياسة الجنائية الوطنية، ودعا قضاة النيابة العامة إلى تتبع الأبحاث الجارية بشأن قضايا الاستيلاء على عقارات الغير بالحزم والصرامة اللازمين وتسريع وثيرة البت في هذه القضايا.

وأعطى تقرير السياسة الجنائية أهمية بالغة لحماية بعض الفئات، كحماية النساء من خلال تطرقه لقضايا العنف ضد المرأة خلال سنة 2017. ونشاط خلايا التكفل بالنساء والأطفال خلال نفس السنة حسب الدوائر القضائية، وأولى كذلك عناية خاصة بحماية الأطفال من خلال استعراض مظاهر العنف الذي يتعرضون له حسب الملفات القضائية، وكذا الإحصائيات المتعلقة بقضايا العنف ضد الأطفال، ووضعية الأطفال الموجودين في خلاف مع القانون، والأطفال المودعين بالمؤسسات السجنية.
ونظراً لأهمية التعاون القضائي الدولي فإن تقرير السياسة الجنائية تطرق لمضامين المنشور الأول للسيد الوكيل العام للملك–رئيس النيابة العامة الذي تضمن تعليمات واضحة لجميع المسؤولين القضائيين بالنيابة العامة قصد التعامل بجدية وفعالية مع طلبات التعاون القضائي الواردة من الخارج والسعي إلى تثمين أواصر التعاون مع الأجهزة القضائية الأجنبية.
التوصيات
يشكل التقرير الدوري للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض رئيس النيابة العامة، المرفوع للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، فرصة سانحة للاطلاع على الجهود المبذولة من طرف النيابات العامة لتنفيذ السياسة الجنائية، وفي نفس الوقت، رصد الصعوبات والإشكاليات التي تعترض سير النيابة العامة، وبالتالي اقتراح التدابير والإجراءات التي تراها رئاسة النيابة العامة مناسبة لتذليل الصعوبات وحل الإشكاليات، الأمر الذي سيؤدي إلى تحسين العمل القضائي والتفعيل الأمثل لتنفيذ السياسة الجنائية، ومن خلال الثلاثة أشهر الأولى لتأسيس رئاسة النيابة العامة يمكن إبراز بعض الملاحظات ترتكز بالأساس على ثلاث مستويات:
على المستوى التشريعي: ضرورة إتمام ورش إصلاح منظومة العدالة واستقلال السلطة القضائية، من خلال إدخال التعديلات اللازمة على النصوص القانونية، لاسيما مشروع القانون الجنائي ومشروع، المسطرة الجنائية، المعول عليهما لتحقيق بعض الأهداف مثل ترشيد الاعتقال الاحتياطي والحد من تضخم المتابعات القضائية وتسريع وثيرة تجهيز الملفات وتوفير الإطار القانوني لإجراء المحاكمة عن بعد بوسائل الاتصال السمعي البصري، وحل إشكاليات نقل المعتقلين إلى المحاكم وتوفير الإطار القانوني للتبليغ الالكتروني في الاستدعاءات والإجراءات القضائية الأخرى …، وتنظيم وسائل البحث والاثبات الجنائي المعتمد على الوسائل التقنية والعلمية كالاختراق وتقنين استعمال أجهزة التسجيل.
على المستوى المؤسساتي: لوحظ غياب أو عدم كفاية البنية المؤسساتية لمواكبة عمل النيابات العامة، لذلك أوصى التقرير بضرورة توسيع الطاقة الإيوائية للمستشفيات المخصصة لتنفيذ الأحكام القضائية الخاصة بانعدام المسؤولية الجنائية بسبب خلل عقلي والإيداع في مؤسسات الأمراض العقلية، وتطوير البنية المؤسسات المعدة لاستقبال الأطفال، وتوفير مراكز كافية للعلاج من الإدمان على المخدرات.
على مستوى الموارد البشرية: أوصى التقرير بأهمية دعم عدد قضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية بالعدد الكافي لتسريع وثيرة إنجاز المهام المنوطة بهم وتجويدها.
على المستوى اللوجيستيكي: ضرورة تطوير البنية المعلوماتية داخل المحاكم، وتوفير الربط المعلوماتي المباشر بين النيابات العامة ورئاستها، لأن غيابه يؤثر سلباً على التواصل والتتبع الفعال لأدائها، خاصة ما يتعلق بمراقبة الاعتقال الاحتياطي، وضرورة تحديث أساليب تنفيذ المقررات القضائية وإدماج المعلوميات في تتبعها لضمان السرعة والفعالية، بالإضافة إلى ضرورة تمكين رئاسة النيابة العامة من الاطلاع على النظام المعلوماتي المركزي لتدبير الملفات القضائية الزجرية (ساج2)، وذلك لتتبع السياسة الجنائية بفعالية وسرعة والمساهمة ايجابياً في تطوير أداء النيابة العامة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*