المالكي: المغرب اعتمد سياسةٌ واقعيةٌ وإنسانية للهجرة

قال الحبيب المالكي رئيس مجلس النواب في افتتاح أشغال المؤتمر البرلماني الدولي حول الهجرة؛ إن” قضية الهجرة، توجد أمام اختيارٍ حضاري في القرن الواحد والعشرين، أي أمام سؤال، بأبعادَ إنسانيةٍ وثقافيةٍ وأخلاقيةٍ وسياسيةٍ واجتماعيةٍ واقتصاديةٍ، بل ووجوديةٍ، سؤال يُمْكِنُ تلخيصُه في : أيُّ حضارةٍ تُرِيدُ المجموعةُ الدولية بناءَها؟ وأيُّ حضارةٍ تريد الدولةُ القُطْرِيَةُ بِناءَها في العصر ما بعد الصناعي والتكنولوجي، وفي عصرِ ما بعد العولمة؟ وأيُّ علاقاتٍ دوليةٍ نريد؟ وأي أفُقٍ نَسْلُك: أُفُقُ الانفتاحِ والتفاعلِ وحرية ِالتنقل، أو أفُقُ الانطواء والانغلاق والقَوْمِيات الضيقة؟
وإذا كانت الخطابات والسياسات المناهضة للهجرة تجتهدُ لإعادةِ تَشْكِيلِ ثقافةِ التعايشِ والتحررِ والانفتاحِ التي شكلت أساسَ الديمقراطيات المعاصرة بِحُمُولاتها القَيْمِيَةِ والحقوقية، فإن المجموعةَ الدوليةَ، والضميرَ العالمي مُمْتَحَنَان في مدى الالتزامِ بمبادئِ ومعاييرِ حقوق الإنسان والقدرةِ على الادماج وقبولِ الآخر والتضامن في زمن الأزمات، بل إن إنسانيتَنا هي الـمُمْتَحَنةُ اليوم في قضية الهجرة.
ولِحُسْنِ الحظ، فإن الاتجاهَ العام وميزانَ القوى في هذه المسألة بالذات؛ يميلُ نَحْوَ التحرر والانفتاح ويعكسُ وَعْياً جماعياً بفوائدِ الهجرة.
واضاف المالكب ” والدليلُ على ذلك هو هذا العزمُ والتصميمُ الذي تُبْديه المجموعة الدولية من أجل المصادقة على الميثاق العالمي من أجل هجرةٍ آمنة ومنظمة ونظامية، والدليلُ أيضا هو مُلْتَقَانَا هذا الذي يجسدُ إرادةً شعبيةً في ترسيخ حريةِ تنقلِ الأشخاص عبر العالم.
واكد المالكي” العواملُ والتحولات الديموغرافية تساهم، اليومَ، في تطورِ حركاتِ الهجرة وتؤثرُ في التوازنات الجيوسياسية، فإن العالمَ مرشحٌ لأن يعيش، في غُضُونِ الثلاثينَ عاماً المقبلة طفرةً ديموغرافية بكل معاني الكلمة (حتى لا نقول صدمة)، بكل ما لهذه الطفرة من انعكاساتٍ في مساراتِ الهجرة وحجمِها ونتائجِها. طفرةٌ من سِماتِها صُعُودُ افريقيا كقوة ديموغرافيةٍ هائلة، إلى جانب آسيا، مقابل تراجع ديموغرافي في بلدان الشمال. ومعنى ذلك أن الحاجيات ستكونُ أكبر، غير أنها ليست مستحيلةَ التحقق. فإفريقيا حسب كل المؤشرات، بإمكانياتِها ومواردِها الهائلة، هي قارةُ المستقبل، وقارةُ الصعود Un continent émergent ، ولكنها بالتأكيد في حاجةٍ إلى الإنصاف من جانبِ المجتمع الدولي، والى العدالةِ المناخية، والى الاستثماراتِ الاستراتيجية والى شراكاتٍ مفيدةٍ لكل الأطراف. فَمَا من قارة نهضت وحيدةً دون خُطَطِ تنميةٍ دولية.
لقد كانت الهجراتُ عبر التاريخ، رَوَافِدَ لبناء الحضارات والتطور والتقدم والتَّلاَقح الحضاري ولِلْمُثَاقَفَةِ الـمُثْرِيَة، كما أنها حركاتُ إخصابٍ وأداةُ تَجْسيرٍ للعلاقات بين المجموعات البشرية. وبالتأكيد، فإنها تشكلُ اليومَ، وستُشَكِّلُ في المستقبل، فُرَصاً ثمينةً للازدهار المشترك عندما تكونُ منظمةً وخاضعةً للضوابط الضرورية. فالمهاجرون ليسُوا عِبْءً على مجتمعاتِ الاستقبال، كما تُرَوِّجُ لذلك الخطاباتُ الانطوائية، ولكنهم، سَوَاعِدُ، وكفاءاتٌ علميةٌ، تقنيةٌ، فنيةٌ ورياضية. إنَّـهُم يساهمون في بناء بلدان الاستقبال، وفي الدينَامياتِ التي تشهدُها، كما أنهم رافدٌ مهمٌ في تنمية البلدان الأصلية. ويُعَلِّمُنا التاريخ أن حضاراتٍ عظيمةً وقوى كُبْرى، بل وْدُوَلاً، هي ثمراتُ الهجراتِ وتلاقُحٍ بشري.
وقال المالكي “يشكل اعتماد الميثاق العالمي من أجل هجرة آمنة ومنظمة ونظامية حدثاً دولياً فاصلاً ويُدَشِّنُ لمرحلة مهمة في العلاقات الدولية، يكاد لا يُضَاهِيهِ سِوى اعتماد ميثاق الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948 (الذي نحتفل بعد ثلاثة ايام بمرور 70 عاما على صدوره)، والعهود الدولية اللاحقة لهما. وإن من إيجابيات الميثاق العالمي حول الهجرة كونُه يستندُ في ديبَاجَتِه على مجموع المواثيق الدولية ومَقَاصِدِها، ويُذَكِّرُ بها ويُدمجُها في مقتضيَاتِه، بقدرِ إدماجِه واستحضارِهِ للأجيالِ الجديدة من انشغالاتِ وقضايا المجموعة الدولية ومن حقوق الإنسان، وخاصةً الحق في البيئة السليمة والتصدي لأسبابِ وانعكاساتِ الاختلالاتِ المناخية. وهو على هذا النَّحْوِ، آليةٌ شاملةٌ، ومتوجهةٌ إلى المستقبل، ويمكنُ اعتبارهُ من الإنجازات الأممية الحاسمة خلال الألفية الثالثة. إنه تتويجٌ لمسار شاقٍ وطويلٍ من التفكير والنقاش والتفاوض والدراسات والاستشارات، برعاية الأمم المتحدة، مما أنتج وثيقةً، وإن كانت غير مُلزِمة، فإنَّ لَهَا سلطةً سياسيةً وثقافيةً وبيداغوجية ورمزية. وفي هذا الصدد ينبغي التذكير بأهمية المساهمة البرلمانية التي أَطَّرَها وصاغها الاتحاد البرلماني الدولي والتي ضَمَّنَها في عدة وثائق منها على الخصوص الإعلان المتعلق بتعزيز النظام العالمي للمهاجرين واللاجئين المعتمد في مارس 2018، والقرار المتعلق بتعزيز التعاون البرلماني في مجال الهجرة وإدارتها في ضوء اعتماد الاتفاق العالمي من أجل هجرة آمنة ومنظمة ونظامية المعتمد في أكتوبر 2018 .

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*