هذا ما قاله شباط في مؤتمر حزب الاستقلال+ الكلمة كاملة

التقرير الأدبي حميد شباط
الأمين العام لحزب الاستقلال
المؤتمر الوطني السابع عشر
30.29 شتنبر 1 أكتوبر 2017

سعيد جدا بالترحيب بكم و أشكركم بإسمي الشخصي و بإسم كافة الاستقلاليات و الاستقلاليين على تشريفنا بحضوركم الكريم أشغال هذه الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الوطني السابع عشر لحزبنا، و كما تعلمون أننا فقدنا في الشهور القليلة الماضية، هرمين شامخين من أهرام الوطنية الصادقة، و نموذجين من الجيل الذهبي للمغاربة ممن زاوجو بين الكفاح من أجل الاستقلال و النضال المستميت من أجل الحرية و الكرامة و الديمقراطية، أتحدث بالطبع، عن المجاهدين امحمد بوستة و عبد الكريم غلاب أدخلهما العزيز الحكيم فسيح جناته و تقبلهما مع الشهداء و الصديقين، كما فقدنا في الفترة من المؤتمر الوطني السادس عشر و مؤتمرنا هذا، ثلة من المناضلات و المناضلين، نسأل لهم الرحمة و المغفرة.

أيتها السيدات والسادة
أيها الحضور الكريم

ينعقد المؤتمر الوطني للحزب تحت شعار “تجديد التعاقد من أجل الوطن”، و هو شعار مكثف يعكس العرض السياسي للاستقلاليات و الاستقلاليين، و يخاطب كل القوى الوطنية التي تنتمي لأفق المغرب الذي نأمله، مغرب الحرية و الكرامة و الديمقراطية، الذي كان مطلبا حيويا منذ الاستقلال، فقد قطعنا أشواطا مهما على طريق الاصلاح رغم التعثرات و مطبات الطريق، و تجديد التعاقد يشمل كافة الفاعلين على الساحة الوطنية، و هو يستدعي قراءة موضوعية و نزيهة لحجم التراكمات التي تحققت، و الإقرار بكل شجاعة و مسؤولية، أنه بنفس قدر النجاحات، هناك إخفاقات أو خيبات لا تليق بحجم التضحيات الجماعية التي قدمتها بلادنا، و هذا ما يستدعي أيضا نقدا ذاتيا يفرض على كل القوى الحية بالبلاد تجديد التعاقد الجماعي من أجل الوطن، هذا الوطن الذي يجب أن يبقى دائما فوق الحسابات الشخصية و السياسوية و الانتخابية، هذا الوطن الذي قدمت لأجله تضحيات كبيرة شملت أجيالا متعددة، و أجيال اليوم لازالت تبدع في التضحيات كذلك ، بما يؤكد أن بلادنا ولادة و قادرة دائما على إنجاب من يحملون همومها و إنتظاراتها…لهذا فإن حزب الاستقلال و هو يعقد مؤتمره السابع عشر تحت هذا الشعار، فإنه يعي جيدا طبيعة اللحظة الدقيقة التي تجتازها بلادنا سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، و يدعو إلى عمل و طني مشترك ليس له سقف، سوى سقف الوطن…

إننا في الاستقلال نشعر بأننا أكثر من حزب، بالمعنى التقليدي للأحزاب السياسية كما تدرس في كليات الحقوق و العلوم السياسية، إن حزب الاستقلال يعبر عن رسالة في الوطنية الصادقة، و هذه الرسالة ستظل محملة بإرث الشهداء و المجاهدين الذين قدموا الفداء للوطن و الشعب، في ظروف قاسية من تاريخ بلادنا، لكنهم تحملوا الأذى مضحين بأنفسهم و أسرهم لكي ننعم نحن و أبنائنا بالاستقلال و الحرية و الكرامة و الديمقراطية، إننا مدينون لآلاف الشهداء و المجاهدين و لأسرهم، و نحن على وعي دائم بذلك، و علينا دائما أن نكون أوفياء لعطائهم و تضحياتهم، و أساسا لرسالتهم الوطنية الخالدة، و لأن من لا يشكر الناس لا يشكر الله، فإننا من هذا المنبر نسأل الله سبحانه و تعالى أن يجزيهم عن وطنهم و عنا خير الجزاء، و أن يتقبل الشهداء في جنات النعيم، و يمد في عمر المجاهدين الذين لازالو على قيد الحياة و قيد النضال…، و على رأسهم المجاهد محمد العيساوي المسطاسي الوحيد من بين الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال الذي لازال على قيد الحياة، نسال الله أن يمتعه بالصحة و العافية.

لقد مررنا في الشهور الأخيرة بلحظات حزن قاسية، لقد جربنا مرة أخرى، كيف يعيش حزب بكامله حالة اليتم، و كيف لا تجد من تعزي، لأن الجميع شريك في الكمد و الحزن، لقد كانت فجيعتنا كبيرة، و خسارتنا فادحة، و رزئنا عظيم،و نحن نفقد في شهور قليلة كل من المجاهدين امحمد بوستة و عبد الكريم غلاب، كان صعبا علينا أن نتحمل ألم فراقهما دفعة واحدة، فلم يعد في القلب موطئ لألم بذلك الحجم، لقد غادرانا في لحظة دقيقة من حياة الحزب، لكن الكبار قد يموتون بالمعنى البيولوجي، لكنهم يظلون أحياء في ذاكرة وحاضر الوطن، بمواقفهم و عطائهم و كتاباتهم و تضحياتهم، إنهم الماهدون الخالدون، و نحن سنظل أوفياء، للقيم التي كرسوا حياتهم للذوذ عنها، و للرسالة التي أرادو تبليغها للأجيال القادمة.

إن رسالة الحزب و زعمائه و قادته و على رأسهم الزعيم علال الفاسي طيب الله ثراه، كانت دائما هي الدفاع عن الديمقراطية و الحرية و الكرامة، و النضال من أجل الاستقلال لم يكن يقتصر على هدف تحرير الأرض، بل و أيضا و بنفس القدر من الأهمية تحرير الإنسان، لهذا كان مطلب الاستقلال في وثيقة 11 يناير مقرونا ببناء نظام ديمقراطي، و لذلك أيضا رفع الحزب شعاره الخالد، مواطنون أحرار في وطن حر، لهذا كان كفاح الحزب و لايزال، لا يميز بين تحرير الوطن و تحرير الإنسان، كما أن الحزب حرص دائما، على أن يتحقق ذلك بعيدا عن منطق الصراع و المواجهة، بل عبر التوافقات التاريخية و بناء التراكمات الضرورية في كل مرحلة، وذلك لكي تتمكن بلادنا من عبور كثير من المنعرجات الخطيرة، و قد تابعنا جميعا و في مراحل مختلفة من التاريخ المعاصر كيف جرفت دول وشعوب، فكان حزب الاستقلال دائما، حريصا أشد ما يكون الحرص على عدم التفريط في المكتسبات و في ثوابت البلاد، و في نفس الوقت كان يعمل على شحد العزائم لتحقيق أفق المغرب الذي في خاطرنا جميعا، مغرب الكرامة و العدالة الاجتماعية و التقدم و الأمن و الحرية، مغرب المؤسسات الديمقراطية، حيث يكون المواطنون أصل السلطة و خدمتهم هو هدفها النبيل.

إننا اليوم على بعد خمس سنوات من المؤتمر الوطني السادس عشر، و هو مؤتمر سيظل خالدا لدى الاستقلاليات و الاستقلاليين بمعان و مضامين متعددة وربما مختلفة، لكن بصفة أساسية، سيتذكر الجميع أن ذلك المؤتمر كان أول مؤتمر يعرف منافسة انتخابية حول منصب الأمين العام للحزب، حيث تعززت الديمقراطية الداخلية في أقصى تجلياتها، و بغض النظر عن النتائج، فإن تلك اللحظة كانت فاصلة في حياة الحزب بخصوص إعمال الديمقراطية الداخلية، و هو أمر كان مموضوع ترحيب كبيرا وطنيا، و أيضا بالنسبة لأصدقائنا على المستوى الدولي، و أثبت الاستقلاليون و الاستقلاليات أنهم جديرون بقيادة المعارك المرتبطة بالديمقراطية، و أنه من العيب أن تطالب أحزاب بالديمقراطية على مستوى الدولة، و هي عاجزة على ممارستها على المستوى الداخلي.

أيتها السيدات و السادة
ايها الحضور الكريم

لقد شكلت الوحدة الترابية لبلادنا، عقيدة في الفكر الاستقلالي، و الوعي بها شكل دوما المستوى الأول من الوطنية، هذا لا يعني أن الاستقلاليات و الاستقلاليين أكثر و طنية من غيرهم، و لكن نعتقد أن حزب الاستقلال كان و لايزال أكثر حرصا على هذا الموضوع في منهاجه التربوي و في تنشئته السياسية لأطفاله و شبابه، و هو في ذلك لا يقدم نفسه محتكرا للوطنية أو متحدثا بإسمها، أو منافسا بخصوصها لأي طرف، و لكنه لا ينفي أن له أسلوبه الخاص في تعاطيه مع هذا الموضوع، و له تراكماته التي بدونها لا يمكن لأي محلل أو باحث موضوعي، أن يقارب هذا الموضوع مقاربة علمية سليمة، و هنا لا بد أن نستحضر العمل الكبير الذي قام به زعماء حزب الاستقلال، في التعريف بقضية الوحدة الترابية، و حدودها التاريخية، حيث كان زعيم التحرير علال الفاسي أبرز من تحمل عبئ ذلك العمل الوطني، و تحمل فيه ما تحمل من ظلم ذوي القربى قبل آخرين، لكنه ظل مؤمنا بقناعاته و ما يعززها من شواهد الواقع و التاريخ.

إن البعض تحامل على الزعيم علال و على حزب الاستقلال، بتقديمه في صورة الحزب القومي المتطرف و التوسعي، و هو أمر لا يسنده الواقع، و يعبر عن قراءة متعسفة مهما بلغ غلوها، فإنها لا تستطيع أن تجتزء التاريخ و العلاقات الإنسانية و التقاليد و القيم المشتركة.

إن حزب الاستقلال عندما يذكر بالتاريخ المشترك في منطقة المغرب الكبير، وعندما يتحدث بالأساس عن الصحراء الشرقية و كولم بشار و تيندوف و تيدكلت، فإنه يسعى للتأكيد على القيم المشتركة بين شعوب المنطقة، و أن التاريخ المشترك هو قيمة مضافة و دعامة صلبة لمواجهة تحديات المستقبل بشكل مشترك، و ركيزة متينة لبناء الوحدة المغاربية.

لقد شكلت قضية الصحراء صلب رؤية الحزب لموضوع الوحدة الترابية، و كما تعلمون أن هذا النزاع المفتعل، عايش مراحل متعددة من تطور العلاقات الدولية، و كذلك من التغيرات التي عرفها العالم في تعاطيه مع نزاعات مماثلة، و قد استطاعت بلادنا بحكمة المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه ووريثه جلالة الملك محمد السادس نصره الله، أن تعبر تقلبات العلاقات الدولية بسلام، و بوضوح كبير فيما يتعلق بمشروعية و شرعية موقفنا ، و شكل هذا الوضوح سندا قويا من أجل إقناع كثيرين بصوابية و جدية الموقف المغربي، لكن هذا لا يجعلنا نطمئن، خاصة أمام التحولات الجارية في أولويات القوى الكبرى على المستوى الدولي، نتيجة التحولات التي تعرفها دول العالم و تعرفها أنظمتها السياسية، و هو ما دفع بنخب جديدة لمواقع القرار، لها قراءة مختلفة للعلاقات الدولية و للنزاعات المماثلة لقضية الصحراء المغربية، كما لها رهانات جديدة على التكتلات الدولية و الإقليمية، إضافة للقضايا الجديدة المرتبطة بالإرهاب وتهديد السلم العالمي و التي هي على صلة أو تتغذى من نزاعات إقليمية مختلفة، إذ تجد تربة خصبة للنمو و الإنتشار،و هو ما يحور الأسس الحقيقية للنزاعات الدولية ذات الصلة.

لقد قدمت بلادنا بشجاعة كبيرة عرضا تاريخيا لحل النزاع المفتعل في الصحراء، و ذلك عندما تقدم المغرب للمنتظم الدولي بمشروع الحكم الذاتي، و هي المبادرة الوحيدة منذ إندلاع النزاع منتصف السبعينات من القرن الماضي، التي حملت مقترحا جديا للحل، و تمكين المنطقة المغاربية من أجواء جديدة لبناء تكتل إقليمي حقيقي، و قد ساند حزب الاستقلال بكل حماس هذا المقترح الذي وصفه المنتظم الدولي بالجدي و أنه يحظى بالمصداقية، و ما فتئ الحزب يطالب منذ سنوات بضرورة تسريع تنزيل الحكم الذاتي على أرض الواقع، خاصة بعد الموقف العدمي لجبهة البوليساريو التي تؤكد دوما أنها مجرد صدى لرؤية الجزائر للنزاع، و كان تقديرنا و لايزال، أنه لا ترجى فائدة من طرف لا يملك قراره، بل يرهنه لجهة لا يهمها حل النزاع لا في بعده السياسي أو الأمني بل حتى في بعده الإنساني، لهذا طالبنا بتمكين إخواننا في الأقاليم الجنوبية، الذين عبروا دائما عن الروح الوحدوية من الحكم الذاتي باعتبارهم الطرف الأساسي و الممثل الحقيقي و الشرعي للساكنة، و أيضا لأننا أدركنا أن خصوم بلادنا، يسعون إلى قتل مبادرة الحكم الذاتي مع توالي السنوات و جعلها بدون قوة إجرائية وبدون تأثير، و تحويلها إلى مبادرة منسية و فاشلة، علما أن بلادنا قدمت عبر الحكم الذاتي، أقصى ما يمكن أن تقدمه.

لقد طالبنا دوما بأن يكون للصحراويين الوحدويين مكانة أساسية في البحث عن حل للنزاع المفتعل، و أنه من غير المقبول، ترك الأغلبية من سكان المنطقة، و القيام بمطاردة السراب الذي تمثله أقلية لا تملك قرارها، و اعتبرنا أيضا أن مختلف الاستحقاقات الانتخابية التي تعرفها بلادنا و المناطق الجنوبية، تشكل في كل مرة لحظة إستفتاء متجدد، بخصوص الإنتماء للوطن، و لعل نسب المشاركة المرتفعة في المناطق الجنوبية، تمثل دليلا آخر على أهمية تمكين ممثلي الصحراء من شيوخ و منتخبين من وضع خاص في أية مفاوضات لحل قضية الصحراء، و أن إستمرار تجاهل هذا الواقع، يعتبر اخلالا بالمبادئ التي تؤطر و تنظم مبدأ تقرير المصير، إذ لا يمكن توقع القبول بآلية و منهجية تقصي الأغلبية المطلقة و ممثليها.

إن حالة الصحراويين المغاربة في مخيمات تيندوف تعتبر حالة خاصة وفريدة على المستوى الدولي، و توضح بشكل جلي عدم جدية المنتظم الدولي في التعاطي مع أبعاد النزاع في الصحراء، حيث يعيش آلاف الأشخاص و الأسر في ظروف قاسية و حاطة بالكرامة، في مخيمات هي في الواقع معسكرات إحتجاز، و المثير في هذه الوضعية، أن الجزائر و معها جبهة البوليساريو ما فتئتا تطالبان بتنظيم إستفتاء تقرير المصير، و في نفس الوقت تمتنعان عن مجرد إحصاء بإشراف دولي لساكنة المخيمات، بل إن الجزائر إمتنعت طيلة زمن النزاع، عن تنفيذ قرارات مجلس الأمن و الجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الصلة بتنفيذ اتفاقية جنيف لسنة 1951 و بروتوكول 1967 و كل الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق اللاجئين، حيث رفضت الجزائر تمتيع ساكنة المخيمات مما تنص عليه الاتفاقية من حقوق مثل الحق في جواز السفر و حق العودة إلى الوطن الأصلي أو الاستقرار في الجزائر أو الذهاب لبلد ثالث، و هو ما يوضح أن الجزائر و جبهة البوليساريو، إنما يسعيان إلى توظيف مأساة المحتجزين في المخيمات، للدعاية لمشروع الانفصال المفلس كما كان ذلك منذ منتصف السبعينات، و أيضا للاتجار بالمساعدات الانسانية و التي كانت موضوع تقارير دولية.

لقد كشفت السنوات القليلة الماضية و خاصة هذه السنة أن جبهة البوليساريو، أمام ضعف قدرتها على تقديم مبادرة جدية في مقابل مبادرة الحكم الذاتي، تحاول ابتزاز المنتظم الدولي عبر التهديد المتكرر لخرق وقف إطلاق النار و العودة إلى الحرب، و بالتالي الإجهاز على الاتفاقية الاطار لسنة 1991، و قد حمل هذا التوجه ممارسات ميدانية تشكل اعتداء و اضحا على قرارات مجلس الأمن الدولي، بل إن جبهة البوليساريو و منذ فترة طويلة قامت بالاعتداء على الوضع القانوني للمنطقة العازلة بين الجدار الأمني و كل من الحدود الجزائرية و الموريتاتية، تم هذا في بئر لحلو أكثر من مرة و تكرر في الشهور الاخيرة بمنطقة الكركارات، هذا الاعتداء الذي تواصل بشكل مستفز أمام صمت مريب للأمم المتحدة خاصة على عهد الامين العام السابق السيد بان كي مون، و الذي لم يكتف بالصمت بل ساهم في خرق القانون الدولي عندما قبل المشاركة في أنشطة دعائية للبوليساريو في بئر لحلو، و هو ما كان موضوع رفض مغربي صارم، بل إن ذلك الاعتداء و تلك الخروقات، كشفت عجز بعثة المينورسو و عدم قدرتها على فرض احترام الاتفاقية الإطار التي تشكل أساس و جودها أصلا.

لقد تعاملت بلادنا بحكمة مع الاستفزازات في منطقة الكرارات، و توفقت في بناء الثقة مع الأمين العام الجديد السيد أونطونيو غوتيريش، و أكدت بذلك أن الأزمة العابرة مع الأمين العام السابق، لا تمتد لمنظمة الأمم المتحدة و أنها فقط وليدة تجاوز الأمين العام السابق لمهامه و لنقضه و اجب التحفظ.

إن من أبرز التحديات التي واجهتها قضية الوحدة الترابية و لازالت، هي السعي المتكرر لتغيير إطار عمل بعثة المينورسو في الصحراء، و تحوير تلك المهام بما يشكل اعتداء على الشرعية الدولية، إلا أن هذا الأمر لا يجب أن يكون عابرا في إداركنا و متابعتنا للنزاع، فهذه المطالب التي تكررت على مدى السنوات الاخيرة وخاصة بعد سنة 2013 من قبل ممثلي دول كبرى، يعكس تحولا عند بعض النخب الحاكمة في دول مؤثر في العلاقات الدولية و خاصة الولايات المتحدة الامريكية، في تعاطيها مع النزاعات الدولية، و ذلك عبر التركيز على مداخل معينة، إن هذا الأمر يتطلب من بلادنا مبادرات نوعية للتأثير في رؤية عدد من الأطراف للنزاع في الصحراء المغربية، و أنه نزاع له خصوصيته بشكل لا يمكن قبول إسقاط نماذج عليه، إذا كانت هناك رغبة حقيقية في حل النزاع المفتعل.

إن الإطار القانوني الحالي للمينورسو، هو ما قبل به المغرب في إطار رؤية شاملة لحل النزاع، و لدور الأمم المتحدة، على أساس أن هذا التدخل يتم تحت البند السادس من ميثاق الأمم المتحدة، و هو ما لا يسمح بفرض أية مقاربة للحل دون قبول الأطراف المعنية بالنزاع.

إن السيد غوتيريش الأمين العام الجديد للأمم المتحدة، و الذي يملك خبرة مشهود له بها في موضوع اللاجئين، مطالب بجعل موضوع المخيمات بتندوف يحظى بالأولوية، لأن المأساة الإنسانية للأسر لا يمكن أن تنتظر الحل السياسي الذي قد لا يتحقق قريبا، و ديبلوماسيتنا مطالبة بجعل هذا الموضوع على رأس اهتمامتها و هي تخوض المعارك المختلفة بخصوص قضية الصحراء المغربية، فالذي يرفض إحصاء اللاجئين و سؤالهم عن الوجهة التي يريدون الاستقرار بها، لا يمكن أن يكون جديا و هو يطالب بحق تقرير المصير…

إن دور الأمين العام للأمم المتحدة يبقى مهما جدا، في البحث عن مخارج للأزمات الدولية، لهذا فإننا نعتبر توقيت تعيين أمين عام جديد للأمم المتحدة، مفيدا للقضية الوطنية بعد التوتر الذي طبع السنة الماضية العلاقة مع السيد بان كي مون، و ذلك لأن تقارير الأمناء العامين و فرق الخبراء التي تشتغل إلى جانبهم، لها تأثير كبير على مستويات مختلفة من منظمات الأمم المتحدة و على المنظمات الدولية خاصة التي تعمل في مجال حقوق الإنسان.

لقد باشر السيد غوتيريش عمله بمنع التصعيد في منطقة الكركرات، لكن أبرز قرار اتخذه إلى حدود الساعة تمثل في إنهاء مهام السيد كريستوفر روس كممثل شخصي للأمين العام في قضية الصحراء، و تعلمون جميعا أن المغرب طالب سابقا بتغيير المبعوث الشخصي، لكن في سباقة على مدى سنوات تدخل الأمم المتحدة في قضية الصحراء، تم رفض الطلب المغربي، هذا الأمر أثر بوضوح على مهمة المبعوث الشخصي للأمين العام، لأن طرفا في النزاع لا يحظى بثقته، و كان على قضيتنا الأولى أن تقطع فترة طويلة من البياض في ظل أجواء عدم الثقة، لذلك فإن إسراع الأمين العام الجديد بتعيين الرئيس الألماني الأسبق السيد هورست كوهلر كمبعوث شخصي جديد، من شأنه أن يدفع بأوكسجين جدا في رئة النزاع المختنقة، و يبقى لدينا أمل كبير في كل من السيدين غوتيريش و كوهلر، الذين يعرفان جيدا طبيعة النزاع في الصحراء، كما أن كونهما أوربيان معا، فإن هذا يمكن أن يقدم دفعة جديدة لعمل الأمم المتحدة في المنطقة.

أيتها السيدات و السادة
ايها الحضور الكريم

لقد شكلت الزيارة الملكية التاريخية للعيون و الداخلة جوابا واضحا من المغرب على أن تعاطيه مع قضية الصحراء، يؤطره مبدأ الوجود لا الحدود، و أن المغرب مؤمن بعدالة قضيته و أنه مستمر في تنمية أقاليمه الجنوبية تحت شعار “المغرب في صحرائه و الصحراء في مغربها”، و أن الاقاليم الجنوبية من حقها أن تحظى بنصيبها من التنمية و من الجهود التي تبدلها الدولة في هذا المجال، و لعل حجم المشاريع التي أعطى انطلاقتها جلالة الملك محمد السادس نصره الله، تعبر بوضوح على حجم الأهمية القصوى التي تحظى بها أقاليمنا الحنوبية.

إن تلك المشاريع فتحت آمالا كبيرة في الصحراء، و أغلقت قوس القلق الذي فتح بعد حوادث كديم ازيك الأليمة، بحيث أن تلك المشاريع ستعطي دفعة كبيرة للنشاط الاقتصادي و لتنزيل النموذج التنموي للأقاليم الحنوبية، و لا حاجة للتذكير بأهمية تنفيذ المشاريع الملكية في الآجال المحددة.

إن قضية الوحدة الترابية و خاصة في الجانب المتعلق بقضية الصحراء، ليس مرتبطا فقط بموقف جبهة البوليساريو، و لكنه مرتبط بصفة أساسية بالجارة الشرقية الجزائر، و هنا بطبيعة الحال لا يتعلق الأمر بالأشقاء الجزائريين، و لكن كما يعلم الجميع، بنخبة حاكمة جعلت من العداء للمغرب و لكل ما يتم في المغرب..عقيدة للحكم، وهو أمر مؤسف من أشقاء في بلد تجمعنا معه روابط التاريخ و اللغة والثقافة و الدين و المذهب، بحيث أن حكام الجزائر لم يستطيعوا تجاوز عقلية الحرب الباردة و صراع المحاور و الحروب بالنيابة، لكن هذا العداء لا يمس فقط المغرب و الشعب المغربي، بل يمس شعوب المنطقة المغاربية ككل، و يجعل من المنطقة أضعف المناطق تكتلا على المستوى العالمي، و ليس أكثر ألما من أن الحدود البرية بين البلدين، هي أطول الحدود إغلاقا في زمن السلم، و لسخرية الموقف، يكفي أن نعلم أن الحدود البرية بين كوريا الجنوبية و كوريا الشمالية مفتوحة…

إن كلفة اللامغرب الكبير، ثقيلة جدا على شعوب المنطقة و على مستقبلها، بحيث تتجاوز نقطة سنوية في معدل النمو لكل بلد على حدى، لكن الخطر الأكبر اليوم هو التهديد الإرهابي القادم من الصحراء الكبرى و منطقة الساحل، و ذلك في ظل وجود حزام من دول ضعيفة لا تنعم بالإستقرار السياسي و لا تستطيع لوحدها مواجهة شبكات الإرهاب و الجريمة المنظمة، كما أن عدم الإستقرار في الشقيقة ليبيا، يمثل خطرا حقيقية على المنطقة ككل، إذا لم يتحقق تنسيق حقيقي في عدة مجالات، و إذا لم نقم جميعا بمساعدة الاشقاء في ليبيا و إحتضانهم لتجاوز ما يشبه الحرب الأهلية منذ انهيار النظام السابق.

إن الضحية الأولى للمواقف الجزائرية، هم أجيال من شابات و شباب المغرب الكبير، حرموا من بناء علاقات إنسانية للمستقبل و التعرف على بعضهم البعض كما يفعل نظرائهم في الضفة الشمالية للمتوسط.

إن عودة المغرب إلى البيت المؤسساتي الإفريقي عبر المصادقة على القانون الأساسي للاتحاد الإفريقي، يعتبر قرار ملكيا حكيما، و تتويجا لعلاقات مغربية إفريقية شهدت تطورا كبيرا في السنوات الاخيرة، و لعل الزيارات الملكية المتكررة لعدد من البلدان الإفريقية، توضح كيف يراهن المغرب على جذوره الضاربة في عمق القارة، كما أن الديبلوماسية الاقتصادية لعبت دورا مهما في بناء علاقات متينة مع عدد من الدول و التكتلات الاقتصادية.

إن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي رغم وجود الكيان الوهمي، كان مؤطرا بجملة من المبادئ و المسلمات، فكما قال جلالة الملك في رسالة للرئيس إدريس ديبي في القمة السابعة و العشرين للاتحاد الإفريقي بكيغالي : ” من المؤلم أن يتقبل الشعب المغربي الاعتراف بدولة وهمية.كما أنه من الصعب أيضا القبول بمقارنة المملكة المغربية، كأمة عريقة في التاريخ، بكيان يفتقد لأبسط مقومات السيادة، و لا يتوفر على أي تمثيلية أو وجود حقيقي” (إنتهى قول جلالة الملك محمد السادس).

إننا على ثقة كاملة بحكمة وتبصر جلالة الملك المؤتمن الأول على حوزة التراب الوطني، و نعلم أن العمل في الإطار المؤسساتي الإفريقي في الوضعية التي يوجد عليها اليوم، يعتبر تحديا جديدا بالنسبة لبلادنا، لكننا نأمل أن تنجح بلادنا في التغلب على مختلف التحديات.

إن مناورات خصوم الوحدة الترابية لا تنتهي سوى لتطلق جيلا جديدا منها، و قد تابعنا جميعا كيف تم توظيف موضوع الثروات في المناطق الجنوبية، لكن الاخطر من ذلك هو كيف تعاطى القضاء الأوربي مع جملة من الدعاوى التي حركتها جبهة البوليساريو، دون حتى ان تمتلك صفة الحديث باسم الصحراويين، و هنا لابد من إثارة الإنتباه أن أحكام القضاء الاوربي الابتدائية و الإستئنافية لا تخدم مصالح بلادنا، بل إن تلك الخطوات يمكن تعميمها على العديد من دول العالم و هو ما تابعناه بخصوص بانما و جنوب إفريقيا و إسبانيا، الأمر الذي يتطلب مبادرات قانونية مستعجلة لوضع حد لحرب الإستنزاف التي يهييئها خصوم الوحدة الترابية.

إذا كانت هناك من ضرورة للتأكيد بأنه ليست هناك أرض أوربية في إفريقيا، فإننا نؤكد على ذلك، وذلك من منطلق ضرورة تدشين حوار جدي مع الجارة الشمالية إسبانيا لتحرير سبتة و مليلية والجزر التابعة لها ، لأن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر في معاندة دروس التاريخ و الجغرافية، فإذا كان المغرب لا يرغب في جعل هذا الموضوع مجالا للتوتر في العلاقات الثنائية بين البلدين، فإنه مع ذلك لا يمكن تفهم عدم التجاوب مع الدعوات الحكيمة التي طالما قدمها المغرب منذ عهد المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، و أن الأمر لا يتعلق فقط باستعادة المغرب لسيادته على المدينتين السليبتين، و لا بحماية المصالح الإسبانية بالمنطقة، بل بالتحديات الأمنية الجدية التي تواجه البلدين، خاصة فيما يتعلق بالإرهاب، بحيث أن إستمرار احتلال المدينتين، لا يقدم سوى خدمة مجانية للقوى المتطرفة و يمنحها موضوعا للتعبئة بشعارات مختلفة، لهذا فإن إسبانيا مطالبة بأخذ الموضوع بالجدية اللازمة لنزع فتيل توترات ممكنة في المنطقة.

أيتها السيدات و السادة
أيها الحضور الكريم

لقد شاركنا في حكومة السيد عبد الإله بنكيران الأولى بناء على ما أفرزته صناديق الاقتراع سنة 2011 و التي منحت حزبنا المرتبة الثانية، كما أننا شاركنا في الحكومة لإستكمال الأوراش التي أعطيت إنطلاقتها في ظل حكومة الأمين العام السابق الأستاذ عباس الفاسي، و بالتالي كان الرأي العام داخل الحزب مهيئا لقرار المشاركة، فإذا كان قرار المشاركة واضحا، فإن البعض من خارج الحزب لا زال يطرح هذا الموضوع للنقاش، و أعتقد أن هذه مناسبة لكي نغلق هذا الموضوع بصفة نهائية و نحن نجتمع كأعلى سلطة في الحزب.

لفهم قرار الانسحاب من الحكومة، و هو قرار سياسي مسؤول وشجاع في أي حياة سياسية ديمقراطية عادية، لابد من إستحضار ظروف مشاركتنا فيها، سواء من حيث عدد المقاعد التي حصل عليها الحزب، أو القطاعات التي تحمل مسؤوليتها، أو طريقة تسمية الوزراء الذين تحملوا تلك المسؤوليات بإسم الحزب، و لاحاجة للتذكير بأن تلك الظروف هي التي دفعتنا لتنظيم المؤتمر الوطني السادس عشر سنة قبل موعده القانوني، و لأجل ذلك عقدت اللجنة التنفيذية السابقة عدة جلسات إستماع متوالية لتشريح الوضعية الخطيرة التي كان عليها الحزب في تلك الفترة، و خلصنا بعد نقاش طويل و مسؤول إلى ضرورة عقد المؤتمر الوطني وكذلك كان، إن ذلك يعني أن الاستقلاليات و الاستقلاليين لم يكونوا راضين على طبيعة مشاركتهم في الحكومة، و كان منطقيا أن تسعى القيادة الجديدة إلى تصحيح تلك الوضعية، و هو ما سعينا إليه طيلة شهور، لكننا لم ننجح في ذلك لأسباب قد يكشفها التاريخ فيما بعد، و قد وجهنا لرئاسة الحكومة مذكرتين بخصوص رؤيتنا للعمل الحكومي في ظل حكومة إئتلافية الأولى بتاريخ 3 يناير 2013 و الثانية بتاريخ 30 مارس 2013، لكنهما للأسف بقيا بلا جواب..و قد تضمنتا كل افكارنا و ملاحظاتنا و القضايا الخلافية سواء بخصوص ملف المعطلين أو إصلاح صندوق المقاصة أو ملف صناديق التقاعد، و قدمنا الحلول التي نقترحها لكل مشكلة من المشاكل التي أوردانها..كما طالبنا بهندسة حكومية جديدة بعد سنة كاملة لم تلتزم فيها الحكومة بما جاء في التصريح الحكومي.
لقد كانت المفارقة هي أن كل ما طالبنا به تمت الإستجابه له..، لكن ليس لحزب الاستقلال بل للحزب الذي عوض إنسحابنا من الحكومة، و هنا يحق لنا أن نتساءل، هل كان هناك طرف ثالث لا يرغب في إستمرار حزب الاستقلال في الحكومة؟ أما نحن فكنا واضحين في اختياراتنا و ما عبرنا عنه من مواقف.

بالطبع قد يكون موقف الانسحاب من الحكومة صادف موضوعيا مصالح جهات أخرى لم تتردد في إستثماره، لكن بالنسبة لنا كان من الصعب الإستمرار في حكومة نختلف مع رئاستها في تدبير عدد من القضايا أعلناها للرأي العام، منها تدبير الدعم الموجه لصندوق المقاصة، التعاطي مع ملف المعطلين، رفع الدعم عن المواد المدعمة، معالجة أزمة صناديق التقاعد، أولويات المخطط التشريعي، إلى غيرها من القضايا التي لم نحسن سواء نحن، أو الإخوة في العدالة والتنمية، تدبير الخلاف بشأنها، فكان ما كان من إنفصال نؤدي معا اليوم ثمنه…و هنا لابد من التذكير، بأن قرار الإنسحاب من الحكومة إتخذه المجلس الوطني للحزب بعد نقاش واضح و مسؤول، و قيادة الحزب و الفريق الوزاري بإستثناء أخ واحد، نفذوا القرار بكل روح نضالية.

لقد استمر خلاف الحزب مع الحكومة و أغلبيته بعيدا عن الحكومة، سواء على مستوى قوانين المالية، أو الاطار القانوني لإجراء الانتخابية الجماعية سنة 2015 و التشريعية سنة 2016، بحيث طالبنا عبر مقترح قانون بإحادث هيئة للإشراف على الانتخابات و عشنا معارك حقيقية داخل لجنة الداخلية بمجلس النواب، و استطعنا فرض مناقشة مقترح القانون، ودافعنا عنه بكل قوة، مستعرضين التجربة الانتخابية ببلادنا منذ 1962، حيث أثبتت التجربة، أن الديمقراطية ببلادنا تعاني من عطب مزمن يتمثل في غياب انتخابات نزيهة وشفافة و تنافسية، و ان جهازا واحدا هو من أشرف على كل الانتخابات.

لقد أكد حزب الاستقلال أمام اللجنة الاستشارية الملكية لوضع دستور 2011، على أهمية الانتخابات النزيهة في البناء الديمقراطية، و ان الدستور مهما كان جيدا إذا صادف مؤسسات تعاني من منسوب النزاهة و المصداقية و الشفافية و الاستقلالية، فإنه سيكون دستورا بلا روح و بلا معنى، لهذا ظل الحزب حريصا على المسألة الانتخابية و لايزال.
في نفس السياق و لضمان مشاركة واسعة للمواطنات و المواطنين، طالبنا في مقترح قانون باعتماد التسجيل التلقائي للمواطنات و المواطنين في اللوائح الانتخابية، و ذلك اعتماد على السجل الوطني للبطاقة الوطنية، لكن مع كامل الأسف لم تقبل مقترحاتنا، و عشنا جميعا ما حصل في الانتخابات الجماعية و التشريعية من إعتداء على نزاهة الانتخابات و تنافسيتها، و من عزوف كبير عن صناديق الاقتراع في أول انتخابات برلمانية تجري في ظل الدستور الجديد.

سيرا على نفس قناعاتنا الوطنية، قدمنا مقترح قانون متكامل لتعديل القانون التنظيمي لمجلس النواب، بهدف تمكين الجالية المغربية في الخارج من حقوق المواطنة الكاملة، عبر الترشيح و التصويت إنطلاقا من بلدان الإقامة، و بقينا الحزب الوحيد الذي قدم تعديلاته و تشبث بها في الجلسة العامة، في الوقت الذي سحبت فرق أخرى مقترحاتها.
و بهذه المناسبة أستغل هذه الفرصة لتوجه بإسم كافة الاستقلاليات و الاستقلاليين بالتحية لأفراد الجالية المغربية في الخارج على الأعمال التي يقومون بها و على الوفاء لوطنهم و على دعمهم المتواصل لبلادهم، و سنظل في حزب الاستقلال نلح على تمكين أزيد من 5 ملايين مغربية و مغربي من حقوق المواطنة الكاملة.

لقد تعرض الحزب خلال الانتخابات الجماعية لشتنبر 2015 لحرب شرسة، من خلال التأثير على المرشحين و دفعهم للتخلي عن الحزب في آخر لحظات وضع الترشيحات في عدد كبير من الأقاليم والمدن، و مع ذلك و رغم كل الإكراهات و الحملات التي تعرضنا لها، إستطعنا أن نحصل على المرتبة “الأولى”، لأنني اعتبرت دائما أن الحزب يخوض المنافسة مع الأحزاب السياسية وليس مع الإدارة الترابية في شخص الوالي و العامل و القائد و عون السلطة، بينما احتل الحزب الذي يقود الحكومة المرتبة الثالثة، بحيث يحق لكافة الاستقلاليات و الاستقلاليين الإفتخار بقدرتنا على الصمود في وجه حملة هوجاء على العمل السياسي و الحزبي، إذ حققنا و نحن في المعارضة نفس النتيجة التي حققناها و نحن في رئاسة الحكومة، رغم الظروف التي مررنا بها و الإستهداف الذي كنا ضحية له…فهل يستطيع أي محلل موضوعي أن يقفز على هذه الحقيقة؟ هل يمكن تقييم أداء الحزب الانتخابي دون إستحضار الازمة العميقة التي تعرفها الديمقراطية ببلادنا، و ما الانتخابات المتحكم في مخرجاتها سوى واحدة من تعبيرات تلك الأزمة…و لا حاجة للتذكير أنني فوضت كل اختصاصاتي بخصوص الانتخابات الجماعية للمنسقين على مستوى الجهات، و هم من قاموا باختيار و تزكية المرشحين، و قد قاموا بكل مجهوداتهم لتحقيق نتائج مهمة لفائدة الحزب في جهاتهم.

إننا لم نكتف فقط بتصدرنا للانتخابات الجماعية بمنطق تنافس الأحزاب السياسية كما أشرت دائما و أنا مقتنع بهذا التحليل، بل تصدرنا انتخابات مجلس المستشارين الغرفة الثانية للبرلمان، و هو ما أثار حفيظة من يرسمون الخريطة السياسية، فتقرر معاقبتنا على ذلك الانجاز من خلال اللائحة الشهيرة التي تم بثها في وسائل الإعلام الرسمية في خرق سافر لمبادئ القانون و العدالة، و التي ضمت أكثر من الثلثين من حزب الاستقلال وحده، في عملية تشويه متعمد لإنتصار الحزب في معركة مجلس المستشارين، كما تم حرماننا من رئاسة مجلس المستشارين بطريقة واضحة، علما أن من كان مرشحا للمنصب هو أخ من قيادة الحزب، ألا يجدر بنا طرح السؤال اليوم وبكل موضوعية، لماذا تم حرمان حزب الاستقلال من حقه في رئاسة الغرف الثانية و منحها للحزب الثاني و هو الحزب الأغلبي؟ أليس ما حدث نهاية 2015 هو ما تمت محاولة إعادته مع انتخابات 7 أكتوبر 2016؟ أي أن يكون الحزب الثاني هو المتصدر الفعلي للانتخابات…

لقد تعرض الحزب لمحاولة المس باستقراره في نهاية 2015 و نحن في عز المواجهة مع الحزب الأغلبي الذي اختطف المجالس و هيمن على قرابة نصف الجهات، و لاحاجة للتذكير، بهجوم وزير الداخلية على الأمين العام للحزب في المجلس الحكومي و إتهامه بإبتزاز الدولة، وقد اتفقنا في قيادة الحزب على عقد المؤتمر الوطني، لكن المجلس الوطني للحزب رفض ذلك، ورغم التوترات التي طبعت تلك المرحلة، فقد طوينا الصفحة جميعا لمصلحة الحزب أولا و أخيرا، و لمواجهة استحقاقات الانتخابات التشريعية بروح جماعية موحدة و صلبة.

لقد كانت هزة نهاية 2015 مفيدة مع ذلك، و بالقدر الذي توقع منها البعض أن تشكل خطرا على وحدة الحزب، فإنها شكلت على العكس من ذلك فرصة لدفن الماضي الذي خلفه المؤتمر السادس عشر، فتمت المصالحة الكبرى بين أبناء الحزب يوم 11 يناير 2016 برعاية من الراحل الكبير السي امحمد بوستة طيب الله ثراه، هذه المصالحة التي ستبقى في تاريخ الحزب، بل في تاريخ العمل الحزبي الوطني، حيث لأول مرة في تاريخ الحياة الحزبية الوطنية، لا يتطور خلاف مثل ذلك الذي عرفه الحزب، إلى الحالة الإنقسامية التي ميزت المشهد الحزبي المغربي منذ الاستقلال إلى اليوم.

ايتها السيدات و السادة
أيها الحضور الكريم

الذي يحدث اليوم لحزب الاستقلال يستدعي طرح سؤال بسيط، هل لو وافقنا على السيناريوهات التي طرحت بعد 8 أكتوبر هل كان سيكون هذا هو واقعنا اليوم؟ ماذا سيكون وضعنا لو قبل الأمين العام ما كان معروضا عليه يوم 8 أكتوبر؟ علما أن ما كان مطروحا يوم 8 أكتوبر ليس سوى إفراغ نتائج الانتخابات من مضمونها، و الإعتداء على الدستور، وقد تحملنا مسؤوليتنا خدمة للمصلحة العليا لبلادنا، و أتساءل..ماذا لو وافقنا على خرق الدستور و تجاوزنا الحزب الأول إلى الحزب الثاني؟ ماهي الوضعية التي كانت ستكون عليها بلادنا اليوم…؟ و ماذا سيتبقى لنا من نصوص الدستور مستقبلا؟ و قد أنصفنا جلالة الملك نصره الله، عندما بادر مباشرة بعد إعلان النتائج إلى تكليف السيد عبد الإله بنكيران بصفته الأمين العام للحزب الذي تصدر نتائج الانتخابات.

لقد رفضنا بشكل جماعي تلك الإملاءات و كان هناك إجماع في اللجنة التنفيذية للحزب و في المجلس الوطني، كما كان نفس الرأي عند الراحل المجاهد السي امحمد بوستة و الأمين العام السابق الاستاذ عباس الفاسي، لقد شكلت لحظة إجماع حزبية طبيعية، لأن الحزب ظل دائما وفيا للقيم الديمقراطية، و التاريخ كفيل بأن ينصفنا على مواقفنا الوطنية الخالصة.

إن بلادنا تواجه تحديات حقيقية لا يمكن تجاهلها، و انه من واجبنا على بلادنا أن نقول الحقيقة كاملة، ليس فقط للأجيال الحالية، ولكن بصفة أساسية للأجيال المقبلة، و هذه التحديات لا يمكن مواجهتها و إمتلاك القدرة على التغلب عليها، سوى بمواصلة طريق الإصلاح و تعزيز قيم التوافق الوطني، و الإلتزام بالتوافقات السابقة، و أساسا بصيانة الممارسة الديمقراطية و احترام الحقوق و الحريات، و رصيد الإنصاف و المصالحة، و عدم تكرار ما جرى في الماضي، لأن تراكمات الإصلاح تحققت بتضحيات كبيرة غطت على الدماء و الدموع و الجراح و السجون و المنافي، وكلها عناوين لزمن مضى، لا نريده أن يكون من قاموس تحليلنا و قراءتنا لواقع بلادنا.

إن مؤتمرنا هذا ينعقد في ظل الحراك الاجتماعي الذي تعرفه مدينة الحسيمة منذ قرابة سنة، و في ظل استمرار اعتقال و متابعة العديد من أبنائها، كما ينعقد في ظل عودة محاكمات الرأي و المحاكمات ذات الخلفية السياسية، و هنا نجدد تضامننا الكامل مع المعتقلين و المتابعين، و نحيي عاليا الأخ عبد الله البقالي مدير نشر جريد “العلم” و عضو اللجنة التنفيذية للحزب و نقيب الصحافيين المغاربة الذي يتعرض بدوره منذ سنة لمحاكمة لا تتضمن شروط المحاكمة العادلة..

إن هذه الأوضاع لا تساعد على تثمين رصيد المصالحة و لا تسعف في الإطمئنان على مستقبل بلادنا، و إننا عندما نفصح عن هذه المخاوف، إنما نفعل ذلك من منطلق الواجب الوطني، و نقول ذلك و الأمل يحدونا أن تتجاوز بلادنا هذا المنعطف بسلام، و نأمل أن يتم إطلاق سراح المعتقلين على خلفية الحراك الاجتماعي، و أن يتم التركيز على إستكمال الاوراش التي أعطى إنطلاقتها جلالة الملك نصره الله.

إن الحكومة مطالبة بالإنتباه إلى التباينات المجالية بين مختلف أقاليم و جهات المملكة، و عليها أن تملك رؤية إستباقية لتجنيب بلادنا حراكا جديدا ببعد وطني، لأن المطالب هي نفس المطالب و العجز هو نفس العجز و الفقر هو نفس الفقر و ربما أشد.

أيتها السيدات و السادة
أيها الحضور الكريم

إن حزب الاستقلال و مباشرة بعد إنتهاء المؤتمر الوطني السادس عشر، عمل على توسيع علاقاته الدولية، وتعزيز حضوره في عدد من التكتلات الحزبية العالمية، هكذا استطاع الحزب الحصول على عضوية المكتب التنفيذي للاتحاد الديمقراطي الدولي كأول حزب من شمال إفريقيا و الشرق الاوسط و إفريقيا، بل إن الحزب عمل على دعم عدد من الأحزاب الصديقة و الشقيقة في عضوية الاتحاد.

و في نفس السياق قمت شخصيا رفقة أعضاء من قيادة الحزب، بزيارات عمل تجاوزت اللقاءات مع الأحزاب المماثلة و الصديقة إلى لقاء مع زعماء دولهم، حيث عقدنا لقاء مع فخامة الرئيس الموريتاني السيد محمد عبد العزيز، و فخامة الرئيس المالي، كما كان هناك لقاء مع فخامة رئيسة كوريا الجنوبية على هامش لقاء للاتحاد الدولي الديمقراطي بسيول، كما كان حزب الاستقلال حاضرا في المؤتمر الفيدرالي للحزب الجمهوري الأمريكي..، وخلال هذه السنوات تعززت علاقتنا بالحزب الشعبي الأوربي.

أيتها السيدات و السادة
أيها الحضور الكريم

يتابع حزب الاستقلال بإهتمام بالغ مجمل التحولات التي يعرفها العالم، و في صلبها المخاطر التي تهدد السلم العالمي، وترهن مستقبل الإنسانية جمعاء، إن مخاطر الحروب الحدودية و الحروب الطائفية و الإرهاب و التحولات المناخية و شح الموارد الطبيعية، كلها تكشف أن الإنسانية تواجه مصيرا صعبا في المستقبل، و أن إستمرار هذه الأوضاع أمام عحز مطبق للمنتظم الدولي، و عودة سياسة المحاور و التقاطبات، يجعلنا متخوفين على السلم العالمي و كون بلادنا توجد جغرافيا في قلب العالم، فإن ذلك يزيد من مخاوفنا و من حرصنا على أن يسود السلام مختلف مناطق العالم.

لقد كان حزب الاستقلال دائما معنيا بقضايا التحرر الوطني على المستوى العالمي، و قد شكلت القضية الفلسطينية محورا للوعي الوطني، فقد كان حضور القضية الفلسطينية كبيرا في وعي المغاربة، أفرز العواطف التي يحملونها لأرض فلسطين كما ترسخت في ذاكرتهم وفي نفوسهم، حيث لم يميز المغاربة على مدى عقود بين تحرير المغرب من الاحتلال الفرنسي والاسباني، وتحرير فلسطين من الانتداب البريطاني ومن المشروع الصهيوني القائم على خلق وطن “لليهود” على أرض فلسطين.

لقد زاوجت الأنوية الأولى للحركة الوطنية بين بناء الفكرة الوطنية القائمة على التحرر من الاستعمار، و بين الوعي بالقضايا العادلة على المستوى الدولي والتي كان على رأسها القضية الفلسطينية، حيث قاد الزعيم علال الفاسي رحمه الله سنة 1929 إنتفاضة تاريخية في فاس ضد مشاريع العصابات الصهيونية على أرض فلسطين والتي كانت تقوم على إستهداف المقدسات الإسلامية، حيث قامت العصابات الصهيونية بهدم مسجد عمر، والذي كان موضوع عريضة تنديدية وقعها طيف واسع من ساكنة فاس بتحريض مباشر من الزعيم علال تم توجيهها للإقامة العامة.

لقد لعب الزعيم علال الفاسي دورا بارزا في القضية الفلسطينية، وكان واحدا ممن شهدوا و ساندوا تأسيس حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، حيث قام الزعيم علال بوصفه الأمين العام لمكتب المغرب العربي بالقاهرة -حيث كان منفيا- بعمل كبير وسط الطلبة الفلسطينيين بالقاهرة والذين كان من بينهم القائد الكبير الراحل أبو عمار ياسر عرفات، فقد كان قادة الكفاح الفلسطيني ينادون الزعيم علال بلقب “الوالد”، ونتيجة هذه الحضوة كان علال الفاسي أحد القلائل اللذين كانوا على معرفة مسبقة بساعة إنطلاق الرصاصة الأولى لتحرير فلسطين سنة 1965..و إستمرت مكانة علال عند القيادة الفلسطينية، بل شاءت الأقدار أن تكون آخر مهامها قبل أن يدركه الأجل المحتوم، هو مطالبة الرئيس الروماني نيكولاي تشاوسيسكو بإنشاء مكتب لمنظمة التحرير الفلسطينية ببوخاريست وهو المطلب الذي تمت الإستجابة له، وبعدها فارق الزعيم علال الحياة.

لقد قال الزعيم علال الفاسي بمدينة الدار البيضاء سنة 1970 وذلك بمناسبة ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال : ” …كلكم تذكرون أن “فتح” العظيمة بدأت عملها الفدائي الجبار سنة 1965، وتذكرون أنني في المجلس الوطني المنعقد سنة 1965، عرفت بهذه المنظمة العتيدة وبرجالها الأحرار، وأعلنت تأييد حزب الاٍستقلال لها ومطالبته بنصرتها، ويحق لحزبنا الفخر أن يكون أول هيئة عربية سبقت لتقدير هذه العصبة المؤمنة، ووضعت ثقتها فيها، وها هي ذي “فتح” تفرض الاٍعتراف بها على الدول العربية وعلى غيرها من الدول والجماعات، وذلك بما تواصله من جهاد إيجابي في سبيل تحرير فلسطين وإنقاذ القدس من أيدي الصهيونيين الغاشمين …”

على مدى السنوات مرت مياه كثيرة تحت جسر القضية الفلسطينية وتحت منظمة التحرير وحركة فتح، و قد شكل حضورنا أشغال المؤتمر السابع لحركة فتح برام الله هذه السنة، فرصة أخرى لتاكيد حزب الاستقلال على دعمه الكامل لعدالة القضية الفلسطينية، و تأييده الأكيد لمبادرات المصالحة بين مختلف التيارات و الحساسيات الفلسطينية، كما كان لي شخصيا لقاء مع فخامة الرئيس الفلسطيني السيد محمود عباس أبو مازن رفقة إخوان من قيادة الحزب، أكدنا فيها معا على الدعم الثابت للمغرب للقضية الفلسطينية و للجهود الكبرى التي يقوم بها جلالة الملك محمد السادس بصفته رئيسا للجنة القدس و ذلك عبر بيت مال القدس، الذي يقوم بعمل نوعي في مدينة القدس المحتلة لمواجهة مشاريع تهويدها و تغيير معالمها الإسلامية و المسيحية.

إننا نعقد مؤتمرنا هذا و مسلمو الروهينغا بميانمار يتعرضون لإبادة جماعية أمام صمت مخجل للمنتظم الدولي، و هنا يجدر التذكير أن جريدة “العلم” أشارت إلى تلك المأساة منذ سنة 1981، إن المنتظم الدولي مطالب بتحرك جدي لوقف أعمال التطهير العرقي في ميانمار، و حماية أقلية الروهينغا و تمكينها من حقوق المواطنة الكاملة، كما أننا مطالبون جميعا بدعم اللاجئين منهم على حدود بنغلاديش، حيث تؤكد تقارير دولية وجود أقذر مخيمات للاجئين في العالم.

إن قلوبنا تتمزق و نحن نتابع إستعار حروب بلا هوية في كل من سوريا و اليمن و ليبيا، و نشعر بأسى عميق أمام عجز الجامعة العربية عن اتخاذ مبادرات حد أدنى، لحقن دماء شعوب كانت تواقة للحرية و الديمقراطية، فإذا بها تتحول إلى كوابيس ترهن مستقبل المنطقة ككل، و تضع ألغاما على طريق المستقبل.

أيتها السيدات و السادة
أيها الحضور الكريم

و أنا أختتم هذا التقرير الأدبي، لا يفوتني أن أؤكد على ضرورة صيانة و حدة الحزب و حماية وجوده و مستقبله، لقد اختلفنا بما فيه الكفاية، و تباينت آراءنا بخصوص قضايا متعددة، لكننا جميعا وضعنا وحدة الحزب سقفا لإختلافنا و تعددية آرائنا، إن وحدة الحزب أمر مقدس بالنسبة لكافة الاستقلاليات و الاستقلاليين، هذه رسالة المؤسسين و الرواد، و نحن متمسكين بها أشد ما يكن التمسك، و نعتبرها وديعة لدى الأجيال الشابة منكم.

«رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّاب» صدق الله العظيم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*