بنعتيق: الذكاء الإستباقي للملك في التعاطي مع أزمة كورونا كان لحظة مفصلية قوية و “إقتصاد الحياة”سيكون له دور رئيسي في التوجهات الكبرى لما بعد كورونا

قال الوزير السابق للجالية المغربية في الخارج، والقيادي في حزب الاتحاد الاشتراكي عبد الكريم بنعتيق،  ان “في المغرب هناك إجماع قوي من طرف كل مكونات الشعب على ان الذكاء الإستباقي للملك في التعاطي مع أزمة كورونا كان لحظة مفصلية قوية ، إرتكزت على مقومات تدبير الأزمة بإحترافية عالية ، وبقوة تعبوية إستعجالية تسابق الزمن ، ظهرت الملامح الأولى لهذا التفاعل السريع منذ ترأس الملك لجنة مصغرة لنقل الطلبة المغاربة المتواجدين بمدينة ووهان الصينية ، بؤرة الجائحة.”
كما تحدث بنعتيق عن التداعيات الاقتصادية للوباء وتغير ادوات القوة والهيمنة، إضافة إلى أن بعض النظريات القائمة أصبحت متجاوزة…”

وأضاف بنعتيق في حوار أسبوعية “الأيام” في عددها الأخير الذي نشر بصيغة pdf، أن العالم يمر بأزمة صحية غير مسبوقة ، فإلى أمد قريب كانت المكتسبات الصحية التي تحققت في العقود الأخيرة تعتبرمن اليقينيات، غير الممكن المساس بها أو فقدانها ، جائحة كوفيد 19 غيرت المفاهيم السائدة وأتبثت للجميع أن القوة الإقتصادية المالية أو التفوق التكنولوجي أو التحكم في الصناعات الحربية أمور غير كافية لمجابهة مثل هذه الآفات الصحية .
تغيرت إذن أدوات القوة والهيمنة وأصبحت بعض النظريات القائمة متجاوزة ، بل عاجزة عن تقديم أجوبة لمرحلة معقدة، أصبح الإنسان فيها مهددا بالفناء الجماعي ..
كما ان  الملفت للإنتباه في سياق العولمة الكاسحة ومقولة ، العالم قرية صغيرة ، أن جائحة كورونا قد عرت كل الزيف الكوني إن صح التعبير ؟؟
و عندما إنطلق الوباء وبدأ يحصد الأرواح بمدينة ووهان الصينية ، إختلفت الآراء عند أهل الإختصاص،  وتعاملت كل دولة بمنظورها الخاص ، لم تتضافر الجهود الجماعية كونيا ، وإعتقد الجميع أنه وباء يخص منطقة بعينها ، ومن تم الإقتصار على الوسائل والآليات التقليدية من تعقيم ومراقبة نقطة الحدود البرية والبحرية والجوية ، لمن المفاجأة كانت صادمة ، لأنه وباء عابر للحدود ، لا يميز بين قارة فقيرة وأخرى غنية ، بين بلد قوي وآخر ضعيف ..
وقال بنعتيق ّ”عشنا لحظات إرتباك وتردد بل ضعف في المبادرات ، حتى أصبح صناع القرار في دول وازنة عاجزون أمام إنهيار قطاعات صحية من الأكيد أنها لم تعد تحظى بالأولوية في السياسات العمومية لتلك الدول في السنوات الثلاثين الأخيرة ..

واعتبر بنعتيق الوزير السابق المكلف بالمغاربة المقيمين بالخارج وشؤون الهجرة، ان في المغرب هناك إجماع قوي من طرف كل مكونات الشعب على ان الذكاء الإستباقي للملك في التعاطي مع أزمة كورونا كان لحظة مفصلية قوية ، إرتكزت على مقومات تدبير الأزمة بإحترافية عالية ، وبقوة تعبوية إستعجالية تسابق الزمن ، ظهرت الملامح الأولى لهذا التفاعل السريع منذ ترأس الملك لجنة مصغرة لنقل الطلبة المغاربة المتواجدين بمدينة ووهان الصينية ، بؤرة الجائحة .
ظن البعض أنها مبادرة تدخل في إطار العناية الملكية بالمغاربة المقيمين بالخارج ، لكن في إعتقادي المتواضع أن الأمر كان يتجاوز ذلك ، بل كانت إشارة بليغة على أن ما ينتظرنا في الأيام القادمة من صعوبات وتحديات سيكون معقدا وصعبا..
كما تم تنزيل الرؤية الملكية الإستباقية بالإرتكاز على إدارة ترابية اثبتت هذه الأزمة على أنها جزء مرتبط بالنسيج المجتمعي المغربي في علاقاته اليومية المباشرة ، لها قدرة على التفاعل السريع مع التحديات المتوقعة ، وذلك بقديم أجوبة خارج منظق التسلط والعنف ، بل بالتأطير والإقناع إعتمادا على ثقافة القرب الميداني ..
وقد أبانت هذه الأزمة يضيف بنعتيق، على تمتع المؤسسات الأمنية بكافة قطاعاتها من أمن ودرك ملكي وقوات مساعدة ، بثقة عالية في النفس مع قدرة فائقة على الإنتشار السريع ، إلى جانب بروز عنصر جديد ميداني متمثل في إشراك ، ولأول مرة ، القوات المسلحة الملكية كعنصر إطمئنان للتأكيد على أن صحة وسلامة المواطنين هي جزء من عقيدة الإيمان بحماية الوطن ..
ولا ننسى كذلك دور الأطر الطبية من أطباء وممرضين وموظفين مدنيين وعسكريين أبانوا عن روح وطنية عالية في الصفوف الأمامية جاعلين خدمة الوطن والسهر على صحة المواطنين مقدسة ..
وعن سؤال  كيف يمكن تصور ما سيكون عليه المغرب بعد أزمة كورونا في سياق تغير كوني فرضه فيروس كورونا ؟؟ قال القيادي الاتحادي بنعتيق في حواره مع ” الايام” ، ان  الحديث عن مغرب ما بعد كورونا يقضي في نظري المتواضع تفكيرا جماعيا بعيدا عن إستعمال المقاربات المعهودة ، التي ربما كانت صالحة للتعاطي مع لحظات عادية تحاول الإجابة على أسئلة لا تخرج في مفهومها عن الأنساق المتداولة إقتصاديا وإجتماعيا ، الأكيد اليوم أننا أمام مرحلة قد ، وأقول قد ، تشكل قطيعة مع كل المقاربات التي تعودناها من قبل..
ومن هذا المنطلق يجب أن ينصب تفكيرنا على بلورة خطاطة تضع أولويات إستراتيجية تبتعد عن الصياغات المألوفة لمكاتب الدراسات التي هيمنت وأثرت على مسار القرار ، وعلى البنيات الإقتصادية والإجتماعية خلال الأربعين سنة الماضية ، فالمستجد الوبائي يحتم علينا البحث عن أطروحات قادرة على إعطاء القوة والمناعة لمشروع مجتمعي يسمح للمغرب باحتلال المكانة التي يستحقها ضمن الدول الصاعدة ..
وقال بنعتيق” نحن في حاجة إلى بدائل تطبعها الجرأة والشجاعة للخروج من ثقافة الإجماع والإنصات غير المجدي ، هناك قضايا تطرح نفسها بإلحاح على مستوى التفكير أهمها هو كيفية خلق شروط لنمط عيش جديد يعتمد على إقتصاد الحياة ، واقول، إقتصاد الحياة ، وتذكروا جيدا هذا المفهوم ، فسيكون له دور رئيسي في التوجهات الكبرى لما بعد كورونا ، إذ لا يمكن في المستقبل الإستمرار في التخطيط لسياسات عمومية دون إستحضار هاجس الإستقلالية والإكتفاء الذاتي .
هذا المنظور ضروري لتقوية الإختيارات الداعمة للأمن الغدائي ، ولن يتأتى هذا إلا بدعم البحث والتكوين والتحديث لمواجهة الخصاص في بعض المنتوجات ذات الإستهلاك الكبير ، والتي تجعلنا في لحظات مثل هذه الأزمات رهائن لأسواق خارجية ، إذ لا إطمئنان على المستقبل الغدائي في ظل إختيارات ” تقنومالية ” تعتمد على المقاربة بين تكاليف الإنتاج محليا وأسعار هذه المنتوجات على مستوى الأسواق الخارجية ، هذه الأطروحة في تقديري أثبتت محدوديتها الإستراتيجية خلال هذه الأزمة، إذ تعرضت أركان التجارة العالمية لهزات قوية بسرعة وفي ظرف وجيز..
أثبتت الأزمة كذلك أن التوفر على بنيات صحية شيء مهم ، لكن في غياب العدد الكافي من الموارد البشرية المؤهلة وفي ظل ضعف الصناعات المرتبطة بمجال الصحة سنكون بعيدين عن توفير الأمن الصحي الضروري .. إن كورونا هي بمثابة إنذار لكل الدول ومن ضمنها المغرب ، فما دام الحفاظ على صحة المواطنين يدخل ضمن مجال الحق في الوجود والحياة ، فيجب أن يتحول المجال الصحي إلى مجال جهوي بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ، فالإقتصار اليوم على جهوية تعتمد على التدرج المبني على مصاحبة الزمن عوض إستباقه لإستشراف التحديات غير المتوقعة لم يعد ممكنا ، أزمة كورونا يجب أن تدفعنا إلى إعتبار قطاع الصحة رهانا جهويا تخطيطا وممارسة ، سواء في مجال التطبيب أوالتكوين أو في مجال الصناعات الصحية ، مع ضرورة خلق جسور حقيقية للتعاون بين القطاع العام والخاص ، إذ لا قوة للقطاع الخاص في غياب قطاع عام وقوي ومتماسك ..
واكد بنعتيق ،  ان ركائز الحقل السياسي ستتعرض للمساءلة الصعبة بعد كورونا ، خاصة الديموقراطية التمثيلية ، التي تعاني كونيا ووطنيا من تراجع دور الهياكل الوسطية ، من أحزاب ونقابات وما ترتب عن ذلك من ضعف في المشاركة ، وعدم الإهتمام بالإستحقاقات مع بروز توجهات محافظة تستغل الحضور في المؤسسات كواجهة للتشكيك في جدوى الديموقراطية التمثيلية ، جائحة كورونا ستعيد وبشدة مثل هذه النقاشات للواجهة ، ستطرح أسئلة حول مفهوم الدولة القادرة على المبادرة والسرعة في الإستجابة ، هذه الأزمة هي فرصة سانحة لمناقشة القضايا الكبرى وفتح نقاشات حول ضرورة الإصلاحات القادرة على إعطاء نفس يتماشى مع ما بعد الأزمة ، ولن يتأتى هذا إلا بعد قراءة عميقة لكل المسارات مع التوقف عند مكامن الخلل بتجرد ومسؤولية ، بعيدا عن أجوبة ، تقنو تفسيرية ، أثبتت محدوديتها وأنتجت نخبا تدبيرية تعتقد نفسها مالكة للحقيقة المطلقة ..

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*