سفر بلا أمتعة: قصيدة الهروب والولادة

خاطرة:

سفر بلا أمتعة: قصيدة الهروب والولادة

بقلم: عبد الهادي بريويك

سأسافر وحدي، كطيف ينساب بين ضباب الغياب، كنسمة هاربة من قبضة لهيب الصيف، في عالمي المفقود حيث الحلم غصن مكسور ينتظر رياح الفرح لترقع أجنحته. 

هناك، حيث تتلاشى الحدود بين الواقع والخيال، تصبح الروح مرآة تعكس تساؤلات الوجود، وأسرار القلب المنكسر تذوب في نهر الزمن المتدفق بلا هوادة.

ففي هذا العالم الذي لا يعرف الاستقرار، أشعر بأنني بذرة تهبها الريح إلى أرض مجهولة، أرض تحتاج إلى صبر الفصول كي تزهر، كي تثمر حبا لا يعرف الزوال.

سيأتي الريح قاطعا كالسكين البارد، يمزق ستائر الليل التي تحجب عني وجه الحقيقة، والعطش يلتف حولي كأفعى ضاربة، يقيدني في زمن أصبح فيه العطش عاصفة لا تهدأ، وشمس الألم تحترق بلا رحمة.

لكنني، رغم هذا الألم، أدرك أن العطش ليس مجرد عذاب، بل هو نداء داخلي، دعوة للبحث عن المعنى، عن الحب الذي يروي الروح ويشعل فيها نور الحكمة، عن السلام الذي يسكن القلب في زمن الحروب والصراعات.

سأسافر بلا أمتعة، أحمل معي قوافل الحب التي تتراقص كنجوم في سماء مظلمة، وطيور السلام التي تغني بأجنحة من نور، تحلق فوق بحار الظلام، ترفض أن تغوص في أعماق اليأس.

الحب هنا ليس مجرد كلمة، بل هو لغة الروح، هو نغمة تعزفها القلوب المفتوحة على أوتار اللقاء والاحتضان، هو زهرة تتفتح في صحراء الوحدة، تعانق الصمت وتحتضن الغياب.

سأترك وراء ظهري عباد الدرهم، أولئك الذين نسجوا من الذهب أقفاصا للروح، وجعلوا من القلوب صخورا لا تعرف النبض، كأنهم غابة موت تحيط بعالم لا يعرف الرحمة.

أؤمن أن المال لا يستطيع شراء لحظة حب حقيقية، ولا يمكنه أن يمنح السلام لقلب متعب، فالحياة أعمق من أن تقاس بثمن، والروح أسمى من أن تحبس في قيود مادية.

في صدري زهرة من نور، مثل شمعة لا تنطفئ رغم العواصف، وفي عيني بحيرة هادئة تعكس شمس الأمل رغم قسوة الزمان، وسأسافر حتى أجد نفسي بين أشجار الحلم التي تنمو في صحراء اليأس، وأعيد رسم عالمي بريشة الحرية، كلوحة تنبض بألوان الحياة بعد طول انتظار.

إنني أؤمن بأن الرحلة ليست فقط نحو مكان، بل نحو ذات جديدة، نحو وعي أعمق، حيث تتلاقى الروح مع الكون، ويتفتح الحب كفجر لا يغيب.

سأسافر، ليس لأهرب، بل لأولد من جديد، كطائر الفينيق ينهض من رماد الألم، لأبني عالما لا تموت فيه أحلام الحب، ولا تذبل فيه أزهار السلام، عالما يعانق فيه القلب الضوء، ويرقص فيه العقل على أنغام الحرية بلا قيود.

وفي كل خطوة أخطوها، أدرك أنني جزء من كل، أن الوجود قصيدة كونية تُكتب بألوان المشاعر والأفكار، وأن الحب هو المعنى الذي يجعل لكل لحظة قيمة، ولكل وداع ميلادا، ولكل حلم مكسور نغمة لا تنطفئ في سماء الروح.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*