عين العودة… مدينة تنمو عمرانياً وتنتظر عدالة تنموية تليق بمكانتها

عين العودة… مدينة تنمو عمرانياً وتنتظر عدالة تنموية تليق بمكانتها

سياسي: متابعة

 تُعد مدينة عين العودة، التابعة لجهة الرباط–سلا–القنيطرة، من أهم المدن المجاورة للعاصمة الرباط، بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي وما تعرفه من توسع عمراني متسارع ونمو ديمغرافي متواصل خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي جعلها تستقطب آلاف الأسر الباحثة عن الاستقرار بالقرب من العاصمة.

غير أن هذا النمو المتسارع لم يواكبه تطور مماثل في البنيات التحتية والخدمات العمومية، لتجد المدينة نفسها أمام تحديات متزايدة أثرت بشكل مباشر على جودة عيش الساكنة، وأصبحت تفرض تدخلاً عاجلاً من مختلف المتدخلين لإعادة الاعتبار لهذا القطب الحضري الصاعد.

ولعل أول ما يستوقف الزائر أو المتجول بمدينة عين العودة هو الوضع البيئي الذي تعرفه المدينة، حيث تعاني العديد من أحيائها وشوارعها من انتشار النفايات المنزلية وتراكم الأزبال في عدد من النقط، حتى أصبح هذا المشهد جزءاً من الحياة اليومية للسكان.

ويزداد هذا الوضع حدة في ظل غياب شركة متخصصة تتولى تدبير مرفق النظافة بشكل احترافي ومنتظم، الأمر الذي انعكس سلباً على جمالية المدينة، وأثار استياءً واسعاً لدى الساكنة التي ترى أن النظافة ليست مجرد خدمة عادية، بل حق أساسي يرتبط بالصحة العامة والبيئة وجودة الحياة.

وتزداد المخاوف مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، حيث تصبح النفايات المتراكمة مصدراً للروائح الكريهة والحشرات، بما يشكل تهديداً للصحة العامة ويُسيء إلى صورة مدينة يفترض أن تكون واجهة حضرية لقربها من العاصمة الإدارية للمملكة.

ولا تقتصر الإكراهات التي تعيشها عين العودة على قطاع النظافة، بل تمتد إلى جوانب أخرى لا تقل أهمية، وفي مقدمتها الجانب الأمني، الذي أصبح يفرض نفسه بإلحاح نتيجة التوسع العمراني والكثافة السكانية المتزايدة. فالمدينة في حاجة إلى تعزيز بنيتها الأمنية بإحداث مقاطعات أمنية جديدة، وتزويدها بالعدد الكافي من عناصر الأمن الوطني والإمكانات اللوجستيكية الضرورية، بما يضمن سرعة التدخل، وتقريب الخدمات الأمنية من المواطنين، وتعزيز الشعور بالأمن والطمأنينة.

كما أصبحت الساكنة تطالب بتكثيف الدوريات الأمنية والرفع من مستوى المراقبة داخل الأحياء، خاصة في الفترات الليلية، للحد من مظاهر الفوضى والإزعاج التي تعرفها بعض الأحياء بسبب تصرفات بعض المنحرفين، والتصدي للسياقة المتهورة لبعض مستعملي الدراجات النارية الذين لا يحترمون قانون السير، ويعرضون سلامة الراجلين، وخاصة الأطفال والنساء والمسنين، لمخاطر حقيقية. فتعزيز الأمن لا يقتصر على محاربة الجريمة، بل يشمل أيضاً حماية النظام العام وضمان احترام القانون وصون راحة المواطنين.

ومن جهة أخرى، فإن المدينة تعرف ضغطاً متزايداً على بنيتها الطرقية، نتيجة الارتفاع المستمر في عدد السكان وحركة التنقل اليومية نحو الرباط وتمارة والصخيرات، وهو ما يؤدي إلى اختناقات مرورية متكررة في عدد من المحاور، ويبرز الحاجة إلى إعادة تنظيم السير والجولان، وتأهيل الطرقات والأرصفة، وتحسين التشوير الطرقي بما يضمن انسيابية حركة المرور وسلامة مستعملي الطريق.

وفي المجال الصحي، لا تزال المدينة تعاني محدودية العرض الصحي مقارنة بحجمها السكاني، الأمر الذي يضطر العديد من المواطنين إلى التوجه نحو الرباط أو تمارة أو مدن أخرى للاستفادة من خدمات العلاج والاستشفاء، وهو واقع يرهق الأسر ويستوجب تعزيز البنيات الصحية والرفع من جودة الخدمات الطبية وتقريبها من المواطنين.

أما النقل العمومي، فرغم أهميته في الربط بين عين العودة والعاصمة والمدن المجاورة، فإنه ما يزال دون مستوى انتظارات الساكنة، سواء من حيث عدد الحافلات، أو انتظام الرحلات، أو جودة الخدمات، مما يزيد من معاناة التلاميذ والطلبة والموظفين والعمال الذين يعتمدون عليه بشكل يومي.

كما أن احتلال الملك العمومي في عدد من الشوارع والأرصفة أصبح يشكل بدوره أحد المظاهر التي تستوجب المعالجة، لما يسببه من عرقلة لحركة الراجلين، وإضرار بجمالية المدينة، وفرض واقع لا ينسجم مع متطلبات مدينة حديثة تسعى إلى تنظيم فضائها الحضري واحترام القانون.

إن مدينة عين العودة تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتكون نموذجاً عمرانياً وتنموياً متميزاً، فهي تقع في موقع استراتيجي، وتشهد دينامية عمرانية وسكانية متواصلة، غير أن استمرار هذه الاختلالات يحول دون تحقيق التنمية المنشودة، ويؤثر سلباً على جودة الحياة بها.

ومن هذا المنطلق، فإن ساكنة عين العودة تتطلع إلى تدخل جاد وعاجل من السلطات الإقليمية والجهوية، والجماعة الترابية، ومختلف القطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية، من أجل إطلاق برنامج استعجالي متكامل يعيد الاعتبار لهذه المدينة، ويشمل تحسين خدمات النظافة، وتعزيز الأمن، وتأهيل البنيات التحتية، وتطوير الخدمات الصحية، والارتقاء بالنقل العمومي، ومحاربة احتلال الملك العام، بما يضمن توفير شروط العيش الكريم للمواطنين.

لقد آن الأوان لأن تحظى عين العودة بالعناية التي تستحقها، وأن تستفيد من مشاريع تنموية تواكب حجمها الحقيقي وموقعها الاستراتيجي. فالتنمية لا تقاس فقط بعدد العمارات والأحياء الجديدة، وإنما تقاس أيضاً بمدى قدرة المرافق العمومية على الاستجابة لحاجيات السكان، وبجودة الخدمات المقدمة لهم، وبمدى شعورهم بالأمن والكرامة والانتماء إلى مدينة توفر لهم شروط الحياة الكريمة التي يضمنها الدستور وتقتضيها متطلبات الدولة الحديثة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*