هل تُنسى التضحيات حين تتغير القوائم؟ قراءة مغربية في إقصاء عبد الرزاق حمد الله وحكيم زياش وسفيان بوفال من كأس إفريقيا

هل تُنسى التضحيات حين تتغير القوائم؟ قراءة مغربية في إقصاء عبد الرزاق حمد الله وحكيم زياش وسفيان بوفال من كأس إفريقيا

بدر شاشا 
في كرة القدم كما في الحياة، الذاكرة أحياناً تكون قصيرة، قصيرة إلى حدّ القسوة.
تمرّ الأسماء الكبيرة، تصنع الفرح، ترفع الراية، وتمنح المغاربة لحظات نادرة من الاعتزاز، ثم فجأة نجد أنفسنا نتساءل: هل ما قدموه يُمحى بجرة قلم؟ هل تتغير القوائم فتمّحي معها سنوات من العرق والدموع والآهات؟
حين يُذكر اسم عبد الرزاق حمد الله، لا يمكن اختصاره في غياب عن لائحة أو خلاف عابر.
حمد الله هو ذلك الهداف الذي حمل غريزة التسجيل أينما حلّ، لاعب عاش ضغط الانتقادات أكثر مما عاش التصفيق، ورغم ذلك ظلّ اسمه مرتبطاً بالشباك وبفرحة الهدف.
قد نختلف حول مساره مع المنتخب، حول حضوره وانسجامه، لكن لا يمكن إنكار أن الرجل كان دائماً مشروع أمل، وأن الجماهير كانت ترى فيه الحل في لحظة العقم، وتنتظر منه تلك اللمسة التي تغيّر مجرى مباراة.
إقصاؤه يفتح جرح السؤال: هل نحاسب اللاعب فقط على ما لم يتحقق، وننسى ما كان يمكن أن يتحقق؟
أما حكيم زياش، فقصته مع المنتخب ليست مجرد أرقام وتمريرات حاسمة.
هي قصة لاعب موهوب حدّ الألم، لاعب حمل عبء الموهبة وعبء التوقعات معاً.
زياش هو صورة للاعب الذي لا يشبه غيره، تمريرته لا تُشرح، وتسديدته لا تُتوقّع، وحضوره دائماً كان يصنع الفارق حتى وهو خارج الجاهزية الكاملة.
في مونديال قطر، كان أحد وجوه الحلم المغربي، أحد الذين أعادوا للمغاربة ثقتهم في أن الكرة المغربية قادرة على مقارعة الكبار. فهل يُعقل أن تختزل كل تلك اللحظات في غياب عن كأس إفريقيا، وكأن شيئاً لم يكن؟
وسفيان بوفال، ذاك اللاعب الذي حين يرقص بالكرة تنسى المدرجات همومها.
بوفال ليس فقط جناحاً، هو إحساس، هو لمسة فنية تذكّرنا بأن كرة القدم متعة قبل أن تكون نتائج. كم مرة أنقذ المنتخب بلمحة، بمراوغة، بهدف جاء من اللاشيء؟ كم مرة أشعل المدرجات وغيّر إيقاع اللعب؟ بوفال كان دائماً ابن اللحظة الصعبة، وحين يغيب اسمه عن القائمة، يغيب معه جزء من العفوية التي تعوّدنا عليها.
الإقصاء في حد ذاته ليس جريمة، فالمنتخب ليس ملكاً لأحد، والمدرب يتحمّل مسؤوليته كاملة في الاختيار، والتجديد سنة الحياة، وبناء مجموعة منسجمة أهم من إرضاء الأسماء.
لكن الإشكال الحقيقي ليس في الإقصاء، بل في الطريقة التي نتعامل بها مع الذاكرة. في سرعة النسيان. في تحويل لاعبين صنعوا الفرح إلى مجرد “ماضٍ” لا يستحق حتى الوقوف عنده.
المغاربة شعب لا ينسى من أحبه، لكن كرة القدم أحياناً تدفعنا إلى قسوة غير مبررة. نريد الفوز دائماً، نريد الكأس، نريد النتائج الفورية، وحين تتعثر الأحلام نبحث عن كبش فداء، وحين تتغير القوائم نغلق الصفحة بلا شكر ولا اعتراف.
مع أن هذه الأسماء، سواء اتفقنا أو اختلفنا معها، كانت جزءاً من مسار طويل، من بناء منتخب وصل إلى العالمية، ورفع العلم المغربي في ملاعب لم نكن نحلم بها قبل سنوات.
السؤال الحقيقي ليس لماذا غاب حمد الله أو زياش أو بوفال، بل: هل نملك ثقافة الاعتراف؟ هل نعرف كيف نودّع مرحلة دون أن نجلدها؟ هل نستطيع أن نثق في القادم دون أن نمحو الماضي؟ كرة القدم المغربية اليوم قوية لأنها تراكمت، لأن أسماء كثيرة تعاقبت، أعطت ثم غادرت، وكل واحدة تركت بصمتها.
كأس إفريقيا قادمة، والأمل كبير، والدعم واجب، لكن الذاكرة أيضاً واجبة.
لا أحد يطلب تقديس اللاعبين، ولا أحد فوق النقد، لكن الإنصاف هو أن نقول: هؤلاء مرّوا من هنا، تعبوا، اختلفوا، أصابوا وأخطأوا، لكنهم كانوا مغاربة بقميص المنتخب، وهذا وحده كافٍ لكي لا يُنسوا بسرعة.
 القوائم تتغير، والمدربون يرحلون، والبطولات تنتهي، لكن التاريخ يبقى.
والتاريخ لا يُكتب فقط بالكؤوس، بل بالأسماء التي جعلتنا نؤمن، ولو لبرهة، أن الكرة المغربية قادرة على أن تحلم… وتحقق.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*