سلسلة” عبق التراث “…صورة الرداءة في رمضان الثلفزة المغربية

تقدم القناة الأولى في رمضان ليلة كل يوم أحد في العاشرة ليلا برنامجا “وثائقيا” ضمن سلسلة تحمل عنوان ” عبق التراث “، شاهد متتبعو القناة حلقتان منه في الأسبوعين الماضيين، وبما أن القائمين على البرمجة بالقناة الأولى يحرصون عادة على اختيار الحلقات التي تبدو لهم أنها جيدة لبرمجتها في رمضان وتأجيل الأقل جودة إلى مابعد رمضان، فقد تتبعنا تحت إغراء العنوان الحلقة الأولى وهي عن عرس بمكناس، والحلقة الثانية عن حفل ختان بخنيفرة.

وقد حاول مخرج البرنامج في الحلقتين استنساخ طريقة إخراج برنامج معروف لاتزال القناة الأولى تعيد حلقاته منذ 2012 ، ولكنه حوّل هذه الحلقات إلى ما يشبه مشية الغراب فلا هو أتقن عملية الإستنساخ ولا هو نجح في خلق أسلوب خاص به .
الهدف من إنتاج هذه السلسلة من البرنامج ( 10 حلقات ) من طرف الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة والمدعم بميزانية خاصة من وزارة الثقافة والإتصال في عهد الوزير الأسبق محمد لعرج، جاء بناء على التصور العام كما ورد في وثائق طلب العروض الذي على أساسه ” فازت ” شركة أغلال بروديكسيون بالصفقة، مضمون التصور أن يوثق البرنامج العادات والتقاليد المغربية بتفاصيلها الدقيقة في اللباس والأكل والاحتفالات في الأعراس وحفلات الختان وغيرها في مختلف جهات المغرب وإخراجها سمعيا-بصريا، في إطار فني وابداعي ( السيناريو والاخراج ) مع توظيف درامي ينسجم ويتمم فكرة البرنامج، من أجل تحقيق متعة الفرجة لدى المشاهد، وفي الوقت نفسه تسجيل وتوثيق هذا التراث الفني الثقافي الغني الذي يتعرض اليوم للاندثار والتلاشي من حياة المغاربة.

الشركة التي نفذت الانتاج أخلفت الموعد وقدمت عملا لايرقى للمستوى المطلوب بدون سيناريو ولا إخراج، إنتاج بعيد عن الاحترافية (التزلاج بلغة أهل الدار)، كما بدا ذلك واضحا في الحلقتين المذكورتين، رغم النفخ في البرنامج وتسويقه من طرف بعض الصحف والمواقع الرقمية، ما يطرح تساؤلات حول مستوى الصحافيين ومن يمارسون نقد برامج التلفزيون في هذه المواقع ، كما تمت برمجته في وقت الدروة في رمضان، هذه العمليات ساهمت من حيث لا يدرون في فضح رداءة ومستوى البرنامج أمام المشاهد المغربي الذي تطور وعيه وحسه النقدي والفني بصفة عامة، و أصبح يعرف ويميز بنظرته التاقبة بين مستويات الإنتاج السمعي البصري الوطني الجيد منه والرديء .
لقد تم تمرير مشروع هذا البرنامج في أبريل 2019 في لجنة انتقاء البرامج بعد ضغوط من مديرين مركزيين بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفرة على رئيسة اللجنة.

وتنكون اللجنة كما هو معروف من السادة والسيدات : الهام الهراوي رئيسة وتشتغل مديرة بالشركة إلى جانب الأعضاء : عمر الرامي مدير البرامج ، صباح بنداود مسؤولة بالإذاعة الوطنية، نور الدين كونجار مخرج متقاعد، نادية المهيدي من المعهد العالي للإعلام والإتصال، عبد الرحيم السامي من نفس المعهد، أحمد الدافري أستاذ باحث، قدم استقالته من اللجنة بعد ذلك احتجاجا على الفساد المستشري في طلبات العروض وتبدير المال العام في انتاج برامج تحت الطلب، وقد نشر مجموعة من المقالات عن ظروف عمل اللجنةً غير الطبيعي نشرها في صفحته بالفايسبوك في نهاية السنة الماضية، نقلتها عنه العديد من المواقع الصحافية الرقمية.
ورفقته ( الصورة رقم 1 ) تقرير المجلس الإداري الذي زكى هذه الرداءة الممولة من المال العام بميزانبة إجمالية تبلغ 500 مليون سنتيم لإنتاج عشر حلقات، في اجتماعه يوم 14 يونيو 2019 ، حيث تم الاعلان عن ” فوز ” شركة Aghlal Production بالصفقة المسجلة في الخانة ( LOT رقم 6 ) كما هو واضح في صورة التقرير . وفي الصورة الثانية ستلاحظون في الخانة السادسة ( Docu-Fiction ) رقم عدد حلقات البرنامج ومدة كل حلقة، والميزانية المخصصة لكل حلقة خارج الضريبة (H.T ) وهي 420 الف درهم .
المشاهد العادي غير المتخصص الذي تابع الحلقتين، سيلاحظ أن الإمكانات اللوجيستيكية والمالية والبشرية البسيطة التي تم توظيفها في إنتاج الحلقات لا تتناسب مطلقا مع الميزانية الضخمة المخصصة لكل حلقةً، إضافة إلى ضعف المحتوى التوثيقي في الصورة وفي التعليق، وقيام المخرج بتغطية ضعف المحتوى بلجؤوه إلى تقديم تصريحات طويلة لأشخاص لم يضيفوا شيئا مهما لرفع مستوى الحلقات، كما قام بتغطبة التصريحات بمشاهد لاتعكس محتوى التصريحات، وطبقا لعقد انتاج هذه الحلقات تم النص على أن تقوم الشركة المكلفة بتنفيذ الإنتاج بتوظيف مشاهد درامية في سياق التصورأو سيناريو الحلقات. مع الإشارة إلى عدم وجود سيناريو أو حتى تصور عام واضح في هذه الحلقات، وهو مايتناقض مع الأسس المهنية والأخلاقية لإعداد وإنتاج وإخراج الأشرطة الوثائقية.
الخلاصة، كما سبق أن كتبنا عن أوضاع الانتاج والفساد المستشري في دواليب الإرادة، وعلافة بعض المديرين المركزيين وبعض أعضاء لجنة انتقاء البرامج بشركات محظوظة، وكما تابعت ذلك الصحافة الوطنية الرقمية والورقية، وكما جاء أيضا في تقارير المجلس الأعلى للحسابات فإن الفساد سبب أساسي في تدني مستوى جودة انتاجات الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة بالخصوص وفي الانتاج السمعي البصري والسينمائي بصفة عامة في بلادنا .

محمد سراج الضو

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*