الجسد الانثوي و الماء في لوحات عبد اللطيف بلعزيز

 

عزيز قنجاع

لوحات بلعزيز تلعب على هوامش مراوغة مثل الحركة والوقت فيتحول المكان الذي ترسمه الى قضبان تحيط بالشخصية وتأسرها من جميع الجهات، لوحة “النادل علي” لوحة “المليحات الثلاثة” ولوحات اخرى ترسم شخوصا في فضاءات تحمل داخلها الرغبة والألم والانتظار والإحساس بالنهاية، وتبدو آخر لوحاته مستفزة على هذا المستوى، فهي تشرع لنا مداخل متعددة يمكن ان نقرا من خلالها تلك التمزقات التي يرمز لها الجسد الانثوي والماء من خلال الصراع الاسطوري بين الليبيد وغريزة الموت والرغبة في الاستمرار عبر التناسل وحفظ النوع كما يفيد رد النحس، والأرواح الشريرة ، وجلب الخصوبة والبركة مما يحيطه بوضع رمزي وحيوي غاية في الأهمية.
وسأشرح الأمر بتقريب أكثر من خلال إحدى اللوحات الأخيرة التي يشتغل عليها بلعزيز والتي تابعت شخصيا عملية انبثاقها ووثقت للحظات خلقها الملآ بالإقبال و التراجع والصمت العميق والإحتفاء المتردد والمعالجات المتوثبة والإدغام المتواصل للصباغات انها لوحة “المرأة و البحر” .

تصور اللوحة امرأة عارية تتامل البحر، الماء يضيف الى جسدها ، هذه الكتلة الغامضة من الحضور بعدا آخر، فهي تسلم عبر شرودها العميق انشغالاتها الروحية الى البحر، إلى شساعة تشير الى قدر غير محدد، يحيل وجهها المسند على كف يغطي تفاصيل الوجه وبروزاته وتجاعيده وكل ما له صلة بالملامح مما يحيلنا الى الغياب التام للذات، فالوجه شكّل دائما مدخلا للروح او هو النافذة التي نطل من خلالها على الروح ، ان حضور الوجه بشكل ضبابي باللوحة يرمز الى غياب الروح وشرودها وتشردها وتماهيها المطلق مع البحر وغموضها، عكسه بلعزيز بفنية عالية عبر إفناء تفاصيل الوجه في ألوان طغت على ملامحه فأبعدته ونفته وغيبته. ان المرأة الجالسة القرفصاء بين أحضان الماء تقيم طقسا مع البحر، ولطالما اعتبر البحر مكانا للنجوى والشكوى والبوح والاعتراف إلى ذات لزجة ، سائلة، رخوة تبتلع الأسرار وتغرق فيها الهواجس، فلطالما بقي البوح مدموجا بقوة في ممارسة التوبة ، والاعتراف ومقر استرجاع الذات وبصدده الأفكار التي رافقته والهواجس التي صاحبته والصور والرغبات وألوان والذكريات ونوعية اللذة التي تسكن فيه، كل إنسان يسلم نفسه إلى قدره وكل رحيل هو بالقوة آخر رحلة سابقة، و بالإضافة الى ذلك فالتمعن في الماء قد يكتسح كل شيء فكل الذات النسوية في اللوحة موضوعة على الماء المتسرب بعناية اليها ، الا انه يفعل في اللوحة اكثر من ذلك، فاكتساح الماء للجزء السفلي من جسد المراة وملامسته عبر جلسة تُباعد بين الساقين وان أفصحت عن العلاقة بين البحر والجسد والجنسانية في اللوحة الا أنها تمعن في تثبيت العلاقة القائمة بين عنصري الماء و الجسد، فلطالما كان عنصر الماء مدخلا اساسيا للطهارة ، طهارة البدن ومن خلاله طهارة الروح في الوضوء الديني او في التعميد المسيحي الا انه هنا ومن خلال تركيبة اللوحة يحيل الى العلاقة التي أقامتها المرأة مع البحر في الثقافة الشرقية.
لقد بقي البحر في الثقافة الشرقية مقر التمركز الطقسي للاعتراف وانتشر واستخدم في سلسلة طويلة من العلاقات الجنسانية كطلب الزواج او النسل، فالشرود والشكوى التي تحفل بها اللوحة يقسمها الى جزئين متنافرين غير سويين الجزء العلوي للمرأة والذي يبدو خاليا من اي تعبير أنثوي اذ ينضغم على مستوى اللون، مع انكسار لون الشعر وكأنه استمرار للشرود المقصود، وفي الجزء السفلي الذي يشمل الخسر والأرداف تحضر المشهدية الانثوية بادخة وفاضحة يتسلل الماء الى مناطقها الأكثر سرية وكثافة مع التركيز على تموضع الساقين منفرجين مستسلمة للماء ذلك السائل الدقيق الذي ينساب فوق مسام الجسم الانساني لكي يفقده صلابته ويقوده الى الفناء والحلول بالمنطق الصوفي.

تحضر المراة في لوحة ” المراة و البحر ” شكلا بشريا مسحوقا متورما والمعذب سرا ولا مكان لها للبوح باسرارها الا لهذا المخلوق الشاسع الذي تضيع في أعماقه كل الاسرار.

لكن بلعزيز يتعمد رسم لوحته هذه من خلال مربعات تشكل عبر تكاملها نص اللوحة لجسد المراة من خلال تركيبة لمجموعة من المربعات المنفصلة كل مربع – لوحة – يستكمل جزءا من تيمتها – وكأنه حين يحيطها ويسيجها بالماء ويترك لها فسحة لليابسة لكي تنفذ من خلالها خارج اللوحة وتستعيد حياتها العادية فانه يأسرها بقضبان مربعة وكانها مسجونة أبدية للحظة مسجونة في تفاصيل البوح المتكرر لأسرار أبدية تؤكدها حركة الزمن الثقيلة على تضاريس الجسد التي يعكسها لون السماء .
إن المرأة باللوحة مسجونة ضمن السبل الاكثر حرية والأكثر انفتاحا والأكثر مدى، إنها موثقة بشدة الى الملتقيات اللانهائية حيث يشكل جسدها في اللوحة ذاك الحجرالذي يشد البحار الى قرون اليابسة وبدونه تكاد اللوحة تفقد توازنها و يطغى الماء على اليابس او العكس قد يطغى اليابس ليندثر الماء .

انها بؤرة المرور بامتياز وفي نفس الوقت اسيرة العبور، والماء يضيف الى هذه الكتلة الغامضة من الجسد بعدا اخر فالماء قد يكتسح كل شيء الا انه يفعل أكثر من ذلك انه يطهر و بالإضافة الى ذلك فالإبحار في عوالم الماء يسلم الإنسان الى قدر غير محدد وبلا ضفاف ولا توقعات كل انسان يسلم نفسه الى قدره وكل رحيل هو بالقوة اخر الرحلة، رحلة داخل مصدر آت من القلق المتزايد من البحر انه غير مضمون كما هي الارض الصلبة فاذا لم يعرف الانسان كيف يلقي بالمرساة الصلبة داخل هذا الازرق الكبير الذي يملا الجسد بالبرد والرطوبة واللزوجة حيث كل تلك القطرات الدقيقة من الماء التي تنساب فوق مسام الجسم الإنساني تفقده صلابته وتقوده الى الحنين أو الرغبة أوالجنون.
أعمال بلعزيز التشكيلية تبقى مرجعا فنيا وفلسفيا لقراءة العلاقة الملتبسة بين الجسد الخام والذات الواعية التي تترصد الجسد باعتباره كائنا خارجا عن الشرعية او القانون او السوية الاخلاقية ، انه احتفاء بالجسد من حيث انه الوسيط الهلامي بين الوعي و الواقع والجسر الذي يربطنا بالعالم .

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*