لا وطن يهتدي لشاعر

بقلم عبدالهادي بريويك
في عالم السحر والخيال يصير الشاعر كتلة أتربة وطين وأشعاره مجرد أزيز وطنين وفي أعماقه تنبت الأزهار وتزهر الرياحين، يصير دخانا تتقاسمه الريح شتاتا وشظايا وشذرات، تقطف أفكاره اليانعة لتسقطها على أتربة النسيان ، حيث عالم الإنس دون روح أو وجدان.
تراودني أحياناً مخاوف بأن أتحدى وأمسك هذا الكون من أذنيه، وأحرك رأسه بعنف حتى “يتشقلب” ويفقد وعيه.

أو ربما يعود إلى صحوه ويستفيق من غفوته، ويعود أيضا لرشده فيجدد نفسه في كل مرة، فقد امتلأ الكون بكل مظاهر التجديد.
لا شاعر هنا يتغنى بالوطن، ولا وطن يهتدي إلى شاعر، وكأن غيبوبة الكون تجدد النوم في مرقده.

فلا النساء يتلألأن كما كنّ دائماً، ولا الرجال يستشعرون نخوتهم ، وكون يتدنى نحو قيامته دون الشعور بالتجديد الماسخ من حوله، فيطال هذا الحنين الروح؛ لتنسلخ من هويتها وتفقد بريقها وجاذبيتها. وتعلن عن رقصتها الحمقاء الحلزونية حول نفسها لتمسك بيباب البحر وترقص فوق صفحات البحر.
هرب الشاعر إلى البحر باحثا عن ملوحة الأحرف والكلمات، وعن بحور شعر هادئة ومتمردة، عن صور شعرية قابلة للولادة على زبد البحر، عن امرأة لا تشبه نساء المدينة، وراقصة من بين الأسماك المجهولة العناوين تؤمن بالتحرر من كل عبادات كهنة المال، من خيالات النورس المفقود ..من عالم أصبح لايحتفي بجمالية وسحر هذا الوجود.
أكيد، أن الشمس ستصلنا أشعتها ذات صبح، وسنتشمس تحت خيوطها اللامعة وتدفأ قلوبنا من جديد، فتزهر حدائق العمر وتعود الأحلام إلى عالمها العلوي تسبح في خضرة الربيع وشقشقة العصافير.
كيف لشاعر أن يلجم عنفوان الريح؟ و كيف للريح أن يكنس الأرض من خبث التطور والتجديد ؟ وللأرض أن تأخذ توازنها وانضباطها ؟ كيف ذلك؟ والقصيدة تشيخ في موسم الربيع وترنو نحو انزواء شجرة الصنوبر تحت قوة الريح ..كيف ذلك؟ والشمس لا تلمس أرواحنا إلا ساعات الغروب؟
لا أريد لأحد أن يتهمني بالحلم، فأنا لا أعرفه، ولا أريد لأحد أن يحدثني عن ميزان الشعر، فأنا أجهله،
من أصعب التحوّلات! حين يجيء الزمان الأرعن ليضبط زماناً أكثر رعونة، لنرى تحول العالم؟ فقد علمنا شاعر عابر، أن الحديد لا يفلّه إلا الحديد، وعلمتني أمي عائشة أن أحافظ على توازني وابتسامتي وكبريائي وكرامتي ورجولتي وفحولتي وأن أعيش من أجل الحياة وأقاوم.
وأن آخذ مكاني ككومبارس يتقن الحركة على ركح المسرح، وأن أكون هدافا داخل الملعب، ملعب الحياة الزاخرة بالشعارات القديمة التي عرفناها منذ تعلّمنا أبجديات الكلام، وأعلم أبنائي أن الأوطان لا تُباع.
لعمري كنت متمرداً على الأحلام والأمنيات والآمال.

أما الآن وقد ملأني زمن أرعن، وأزمنة متناثرة ، وضاق عليّ وطن صغير من غرفة واحدة تلملم فيها كل الأفكار المنسية المعلقة تحت الغيمة المشاكسة للريح، وسرة من المبادئ والقيم معلقة في زاوية روح تسكنها يراقات في مقتبل العمر، تشبه الكتابة المنقوشة على الصخر؛ موشومة في العقل والروح ، فقد مللنا الانتظار، انتظار موسيقى الشتاء وهي تراقص حبات المطر على السطح الصفيحي العتيق رقصة الشتاء والصيف.
من منكم يعرف وطنا آخر، فيه أصدقائي الشعراء، يحتفلون بقصائدهم، أصدقائي حراس القافية والهواء، أصدقاء يحلمون بوطن أجمل برائحة طيّبة وتراب بكر، حتى نكتشف عبثية الشعر ونكتشف أن القدر قيدنا بروح الأمل.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*