الإيطاليون يتحدون الخوف من وباء كورونا بالانضباط والغناء

بقلم : سهام توفيقي –
ومع

روما-
في تجربة ألهمت العالم بأسره، يواجه الإيطاليون محنة وباء كورونا الذي قلب حياتهم رأسا على عقب، بالغناء في كل مساء بشرفات منازلهم رافعين شارت النصر على “عدو البشرية”،وليؤكدوا أن إيطاليا لازالت على قيد الحياة.

ويختار الإيطاليون لحظة الإعلان عن حصيلة الوفيات والإصابات بهذا الوباء من قبل رئيس هيئة الوقاية المدنية ،في تمام الساعة السادسة من مساء كل يوم ،للخروج إلى شرفات منازلهم وتحويلها إلى مسرح كبير من أجل التغني جماعيا بحب الحياة وعزف ألحان موسيقية تبعث رسائل أمل للمذعورين والخائفين من العدوى أو الموت .

وعلى عكس ما هو معتاد في الظروف الحالكة بسبب حالة الطوارئ التي فرضت حالة من الإغلاق التام وأجبرت الملايين على البقاء محبوسين في منازلهم ومتابعة آخر أخبار الوباء ، يفضل الإيطاليون أخذ جرعة أمل و لو لدقائق تجعلهم على استعداد لسماع عدد الوفيات التي بلغت أمس الأربعاء 475 حالة وفاة خلال يوم واحد وهو رقم قياسي لم تسجله البلاد منذ بدء تفشي الوباء .

ويختم الإيطاليون أمسيات الغناء لدقائق معدودة بالشرفات بتصفيقات هدفها إيصال رسالة شكر وامتنان للأطباء والممرضين وغيرهم الذين يوجدون في الخطوط الأولى في مواجهة الوباء .

وما يثير الاهتمام في هذه التجربة الإيطالية هو أنه بقدر التزام الناس بتحمل القيود المفروضة عليهم وتحليهم بالحيطة والحذر للمساهمة في سلامة النفس والآخر،بقدر إصرارهم على محاربة الخوف والذعر الذي يدفع البعض أحيانا إلى التقوقع والعيش في حالة من القلق المرهق.

وبالفعل، فقد أكد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانومغيبريسوس أن “الخوف والذعر من فيروس كورونا قد يكون أسوء من الفيروس نفسه”، الأمر الذي أدركت خطورته شعوب دول أخرى في بعض أنحاء العالم التي باتت تواجه نفس مصير إيطاليا و تتكبد خسائر بشرية واقتصادية غير مسبوقة.

ولكن بالرغم من “التسونامي” المتمثل في الوباء الذي يهز إيطاليا، يبقى هذا البلد قادرا على ابتكار وسائل جديدة للصمود في وجه هذ العدو بتوظيف مختلف أشكال الفنون من أجل كبح الشعور بالخوف، لاسيما لدى الأطفال.

فقد أضحى الحرص على تهدئة الصغار الممنوعين من الخروج من المنازل واللعب مع أقرانهم من بين اهتمامات العديد من الأسر التي تجتهد لجعلهم في منأى عن أي نوع من التأثيرات السلبية للوباء ، وتقوم بتنويع الأنشطة التي تساعدهم على ذلك ، مثل إشراكهم في الطبخ والقيام بحركات رياضة وحتى بلهلوانية داخل البيت والرسم .

“كل شيء سيكون على ما يرام”.. رسالة أطفال إيطاليا الحزينة

ويتفنن آلاف الأطفال في مختلف المدن الإيطالية في نشر ، على نوافذ منازلهم وأبوابها ، رسالة تقول ” توطو أنداري بيني” ،وتعني “كل شيء سيكون على ما يرام”.

فعلى شرفات المنازل والنوافذ يرسم الأطفال على أوراق كبيرة أو قطعة ثوب بيضاء قوس قزح وقلوبا صغيرة بألوانهم المفضلة ويكتبون بالبنط العريض “كل شيء سيكون على ما يرام “.

وتناقلت مختلف وسائل الإعلام السمعية والبصرية والمكتوبة هذه الرسالة التي تبعث على الطمأنينة التي باتت تفتقدها ساكنة إيطاليا المنكوبة.

وتعتبر العديد من الأسر أن هذا النوع من التضامن الجديد يساهم في تبديد الذعر الذي استوطن نفوس العديدين ، لاسيما منهم المسنون الذين يعيشون بمفردهم .

وترى هذه الأسر أن هذا الشعار ساعد الكبار كما الأطفال على التعامل مع الوضع المخيف، “فقد نكون محاصرين هنا لكن رسالة الأمل تنتشر”، كما قالت إحدى المواطنات .

وبالنسبة لبعض الإيطاليين فإن إصرارهم على الغناء والرقص ، حتى وهم في أوقات عصيبة ، يظل السبيل الوحيد لتجنب أي انهيار نفسي والتأقلم مع العيش في نفق مظلم لا يدري أحد متى الخروج منه ، بدليل أن رئيس الحكومة الإيطالية جوزيبي كونتي أعلن، اليوم الخميس، أن اجراءات العزل المفروضة “ستمدد إلى ما بعد موعدها” المقرر في الثالث من ابريل القادم.

فالأمر ، بالنسبة للإيطاليين ، لا يتعلق بحبس الأنفاس في انتظار عودة كل شيء إلى مجراه الطبيعي بل بإيجاد نفس جديد لمواجهة الخطر الداهم.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*