بورتريه: محمد الحاجي..إعلامي عربي يحلق عاليا في سماء باريس

ولد محمد الحاجي خلال فترة الحرب الأهلية اللبنانية عام 1980 وبالضبط بمنطقة وادي الخالد المتواجدة بشمال لبنان، من عائلة مكونة من 5 إخوة بالإضافة للوالدين، تميز في طفولته بطباعه الهادئة والاجتماعية وكان يقضي معظم وقته في القراءة ومطالعة القصص والروايات والتحصيل الدراسي ولا شيء آخر، مدركا أن الدراسة والمطالعة هي سبيله وسبيل كل أقرانه للخلاص من الواقع المؤلم الذي تعيشه البلاد.

وكما هو معلوم فالمآسي تولد من رحم الحروب، ومأساة أطفال لبنان خلال هذه الفترة أن بعض المدارس تحولت لثكنات عسكرية ومستوى التعليم العمومي أصبح سيئا، الشيء الذي سيدفع بوالده لتسجيله بمدرسة خاصة للراهبات المسيحيات تسمى “القلبين الأقدسين” حيث سيدرس فيها من مرحلة الابتدائي إلى حين حصوله على شهادة الباكالوريا سنة 1998، وعن هذه الفترة من حياته يقول محمد الحاجي ” أعتبر نفسي جد محظوظ كوني تلقيت دراستي بمدرسة فرنكوفونية خاصة تتوفر على نظام تعليمي قوي شبيه بالنظام التعليمي الفرنسي، تدرس فيها اللغة الفرنسية كلغة أولى بالإضافة للعربية، كما تعلمت فيها على يد أفضل المدرسين والمدرسات وتخرجت منها بمخزون تقافي ولغوي كبير والشيء الأهم هو كم التسامح الذي نهلته باعتباري مسلما تعلمت في مدرسة مسيحية وكان هذا شيئا عظيما كوني درست وسط تلاميذ من ديانات مختلفة وثقافات أخرى الشيء الذي ساعدني في تكوين شخصيتي المتسامحة اتجاه الأخرين”.

بعد حصوله على شهادة الباكالوريا تخصص آداب قسم الفلسفة سيختار أن يدرس بجامعيتين في نفس الوقت، حيث سيدرس الأدب المقارن – شعبة الآداب بجامعة البلمند وهي جامعة أرثدوكسية خاصة في حين سيختار التاريخ كشعبة بالجامعة الوطنية اللبنانية، وساهمت المرحلة الجامعية بشكل كبير في النضج الفكري والثقافي لمحمد الحاجي، كما أنها كانت فرصة سانحة له للقاء طلاب ومتعلمين ومثقفين فضلا عن تعلمه من قبل أساتذة جامعيين مرموقين لهم مكانتهم الفكرية والعلمية في الوسط الأكاديمي اللبناني، حيث يقول الحاجي بخصوص هذه الفترة من حياته ” هذا المزج بين الجامعة الحكومية والجامعة الخاصة منحني هذه القوة أن أكون على الوسط بين الطرفين، حيث تعرفت على شخصيات جديدة وأفكار جديدة وهذا الشيء منحني خبرة إضافية وعلاقات مع أناس من مختلف المشارب الفكرية والثقافية، كما أنه ساهم بشكل كبير في تقوية معارفي اللغوية والثقافية والأدبية”.

مسيرة محمد الحاجي الجامعية ستتوج بحصوله على إجازتين خلال سنة 2003، الأولى في التاريخ والثانية في الآداب الشيء الذي سيؤهله لكي يتابع دراسته العليا تخصص التاريخ في الجامعة اللبنانية في بيروت بعد اجتيازه مباراة الولوج ونجاحه فيها واختياره ضمن 10 طلاب من جميع أنحاء البلاد، وبعد سنة من التحصيل العلمي الأكاديمي سيحصل الطالب محمد الحاجي على دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في التاريخ أي خلال سنة 2004.

الشغف التعليمي لهذا الفتى اللبناني سوف لن يقف عند هذا الحد بل سيقرر مواصلة الرحلة وهذه المرة خارج الحدود وبالضبط بالديار الفرنسية إذ سيلتحق مباشرة بعد تخرجه من الجامعة اللبنانية بجامعة “بزنسون – Besançon “، وهنا ستبدأ مسيرة جديدة في جامعة مرموقة ونظام تعليمي جامعي يعد من بين أفضل الأنظمة التعليمية في العالم، هذا الانتقال لفرنسا لم يكن بالسهل على محمد الحاجي وهو الذي لم يغادر لبنان ولا عائلته قط، لكن بفضل خفة دمه وطباعه الاجتماعية سرعان ما سيندمج وسط المجتمع الفرنسي، مستثمرا طاقته وجهده في التحصيل العلمي حيث سيحصل خلال سنته الأولى على شهادة الماجيستير في الآداب وماجيستير في الترجمة بعدها بسنة واحدة من نفس الجامعة.

رغبة الحاجي وطموحه في الدراسة الأكاديمية سوف تستمر بتسجيله في سلك الدكتوراه في تحليل الخطاب السياسي تخصص لسانيات وقضائه لسنتين في البحث وإعداد أطروحته إلى أن تشيء الصدف ويجد نفسه مطلوبا للاشتغال في مهنة المتاعب وبالضبط بقناة فرانس 24 التي كانت تبحث عن صحفيين محررين يتقنون العربية والفرنسية، وهكذا كان، سيلتحق الحاجي بهيئة تحرير القناة لفرنسية سنة 2010 بعد اجتيازه بنجاح لامتحان الولوج، ويبدأ مغامرة جديدة في عالم الصحافة والإعلام، حيث يقول في هذا الصدد ” أقبلت على الاشتغال في هيئة تحرير فرانس 24 بحيوية كبيرة وكنت أنجح في كل الاختبارات التي كانت تقدم لي وكنت وقتها جد سعيد بهذه التجربة المهنية خاصة وأنني كنت أعشق عالم الصحافة وكنت أحلم بأن أمارسها منذ صغري”.

وفي أحد صباحات باريس الباكرة والباردة لسنة 2011، سوف تتغيب إحدى المذيعات لسبب ما وكانت الساعة تشير للسادسة صباحا وكان الحاجي بمكتبه بهيئة التحرير وهنا سيطلب منه تقديم فقرة قراءة في الصحف ومدتها سبع دقائق ليجد نفسه لأول مرة أمام الكاميرا في نقل مباشر، وبالتأكيد سينجح الحاجي في هذه المهمة وهو الذي كان ينتظرها بشغف، ليلتحق بعدها مباشرة بتقديم هذه الفقرة بصفة دائمة وتكون فاتحة خير عليه حيث سيكثر الطلب عليه لتقديم البرنامج تلو الآخر ” برنامج قراءة في الصحف وقراءة في الصحف العربية والإسرائيلية وفقرة حول العالم وأسبوع في إفريقيا وأسبوع في أوروبا وأسبوع في أمريكا والعالم العربي كل هذه الفقرات والبرامج نجح في تقديمها جميعا وأضفى عليها لمسته الخاصة واستحق عليها الثناء من قبل زملائه ومدراءه في القناة.

نجاح الحاجي في تقديم البرامج بقناة فرانس 24 سيؤهله خلال سنة 2013 لتقديم النشرة الاقتصادية بالإضافة لبرنامج اقتصادي اسمه “ضيف الاقتصاد” حيث سيستضيف وزراء الاقتصاد والسياحة لكل من المغرب وتونس والجزائر ومصر وشخصيات اقتصادية وأكاديمية رفيعة المستوى، وسيظهر علو كعبه وكفاءته الكبيرة في تقديم البرنامج ومحاورة ضيوف من العيار الثقيل، هذا النجاح سيرشحه لتقديم نشرة الصباح ونشرة الظهيرة الإخبارية وهما معا نشرتان رئيسيتان في الوطن العربي وتعرف متابعة الألاف إن لم نقل الملايين من المشاهدين من المحيط إلى الخليج.

ولكل بداية نهاية ونهاية تجربة محمد الحاجي بقناة فرانس24 ستكون بالانتقال لإنجلترا سنة 2016 للالتحاق بالتلفزيون العربي كمذيع ومقدم برامج، هذه التجربة ستكون إضافة جديدة لمساره المهني خاصة أمام التباين بين المدرستين الفرنكوفونية والأنجلو سكسونية واعتبارا لكون قناة العربي، قناة ناشئة ولديها جرأة كبيرة في طرح مواضيعها مما سيمنحه هامش حرية أكبر في معالجة مختلف المواضيع التي سيكلف بها والتي ستكسبه تجربة وخبرة مهنية كبرى، وعن هذه التجربة يقول الحاجي ” انتقالي للتلفزيون العربي في بريطانيا كان لرغبتي الكبيرة في إغناء تجربتي وتطوير خبرتي خاصة وأنني كلفت بتغطية ومعالجة العديد من المواضيع المهمة من بينها، الحرب التركية في شمال سوريا والحرب على الإرهاب والانتخابات الألمانية وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومواضيع أخرى لا تقل أهمية، فكل هذه المواضيع أكسبتني المزيد من التجربة وساهمت في تطوير رصيدي المهني والمعرفي”.

وخلال سنة 2018 سيرجع الحاجي لباريس عاصمة الأنوار ولكن هذه المرة كمراسل للتلفزيون العربي منها ومراسلا متجولا عبر العالم إذ سيكلف بتغطية العديد من المؤتمرات واللقاءات الدولية الضخمة كان أبرزها اللقاء الأول بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون الذي انعقد في سنغافورة واللقاء الأول بين ترامب وبوتين في فنلندا بالإضافة لقمم ومؤتمرات إفريقية وخليجية من دون أن ننسى الانتخابات الألمانية والفرنسية وانتخابات انفصال إقليم كاطالونيا والانتخابات الإيطالية التي عرفت فوز اليمين المتطرف بها، وتبقى كل هذه التغطيات التي قام بها تجربة مهمة تنضاف لمساره المهني خاصة وأنه كان شاهد عيان على كل ما حدث في كواليس هذه الأحداث.

وبخصوص أفاقه المستقبلية فلا يرى الحاجي نفسه في مهنة أخرى غير مهنة المتاعب التي يعشقها حتى النخاع، لكنه يتطلع لأن يشغل في يوم من الأيام موقع مسؤولية متقدمة عن مهنة الصحفي كأن يكون رئيس تحرير أو مدير إحدى القنوات أو في منصب إعلامي رفيع يضع فيه خبرته وتجربته الإعلامية في سبيل الرقي وتطوير هذه المهنة، كما يتطلع ويحلم بتأسيس منصة إعلامية رقمية حيث يقول بخصوص هذا المشروع “أؤمن جدا بأهمية الصحافة الرقمية وحلمي أن أؤسس منصة رقمية هدفها مكافحة البروباغاندا والأخبار الزائفة والتزوير الذي يطال مواقع التواصل الاجتماعي، هذا المشروع أكيد سيتحقق في يوم من الأيام لكشف أكاذيب الأنترنيت غايتي أن أخرج للوجود منصة صادقة لكل من يريد ويبحث عن الحقيقة والجدية في العمل الصحفي” ويضيف الحاجي حول هذا المشروع ” شخصيا أؤمن بالعمل الصحفي المهني الصادق والجاد وأعمل على مكافحة كل الأكاذيب وأعتقد أن من ينشر الأكاذيب والإشاعات يجب عليه أن يعاقب، لأن الأكاذيب الإعلامية والصحفية على مواقع التواصل الاجتماعي هي من أخطر الأكاذيب، كما تعتبر حربا إعلامية على الناس، الشيء الذي يهدد أمن وسلامة الأشخاص ويقلقهم ويسرب لهم أخبارا كاذبة علما أن الأشخاص لديهم ميل لتصديق كل ما ينشر من أخبار يكون فيها نوع من البهارات، وهذا بالتأكيد مخيف على مستقبل الصحافة بالعالم”.

أما بخصوص حياته العائلية الخاصة فمحمد الحاجي متزوج من الدكتورة سالي الأشقر وهي طبيبة أطفال ولديهم طفل صغير إسمه زين.

سياسي – جواد جعواني

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*