الهندسة الانتخابية واقتصاد النفوذ … من الخريطة المجالية إلى هندسة المجال السياسي

الهندسة الانتخابية واقتصاد النفوذ … من الخريطة المجالية إلى هندسة المجال السياسي

كتبتها: نادية واكرار

ثمة لحظات يصبح فيها التنافس السياسي غير التنافس على ثقة المواطنين… إنها اللحظة التي تنتقل فيها الحسابات الحزبية من البرامج والانتخابات إلى المجال والنفوذ، فيصبح السؤال ليس فقط من سيحكم، وإنما من سيحكم أين، ومن يترك لمن، وكيف تُرسم خرائط القوة قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع. 

في النموذج المغربي، حيث ترتبط السياسة بالتراب وبالشبكات المحلية وبموازين النفوذ، يصبح هذا المنطق أكثر خطورة حين يتحول المجال إلى موضوع للتفاهم والتفاوض وكأنه قابل للتوزيع بين الفاعلين السياسيين. فالتحالف مشروع حين يكون تحالفاً حول برنامج أو مسؤولية حكومية أو تصور لتدبير الشأن العام، لكنه يفقد مشروعيته الأخلاقية حين يتحول إلى تفاهم على اقتسام النفوذ والمجال، وكأن الانتخابات تمنح الأحزاب حق امتلاك المناطق التي تفوز فيها أو التفاوض فيما بينها على من تكون له اليد العليا هنا أو هناك.

الأحزاب تحصل على حق المشاركة السياسية من خلال الدستور والقانون، ولا تحصل من صناديق الاقتراع على ملكية للمجال ولا على تفويض لتوزيع المغرب إلى مناطق نفوذ حزبية.

الفوز الانتخابي يمنح مسؤولية مؤقتة، ولا يمنح حقاً دائماً في المجال أو المواطنين.

ولذلك فإن تحويل الخريطة الانتخابية إلى خريطة نفوذ، وتحويل الأصوات إلى حصص تفاوضية، وتحويل المجال إلى مجال مغلق لهذا الطرف أو ذاك، لا يشكل فقط انحرافا عن روح المنافسة الديمقراطية، بل يضرب أحد أسس الدولة نفسها: وحدة المجال ووحدة القواعد وتكافؤ المواطنين…

وهنا تكمن خطورة هذه الممارسة على الشعب وعلى الدولة في آن واحد. على الشعب، لأنها تجعل صوته جزءاً من حسابات لا يشارك في صياغتها، وتدفعه إلى الاعتقاد بأن ما يراه في الحملات هو جوهر اللعبة، بينما قد تكون اللعبة الحقيقية قد بدأت قبل ذلك بكثير.

وعلى الدولة، لأنها تفتح الباب أمام نشوء ما يشبه دويلات سياسية غير معلنة داخل الدولة الواحدة؛ لا حدود لها على الخريطة، لكنها حدود نفوذ وولاءات ومصالح، بحيث يصبح لكل قوة مجالها، ولكل شبكة امتداداتها، ولكل تفاهم منطقه الخاص.

وهذه ليست تعددية سياسية صحية، بل بداية تفريغ السياسة من معناها وتحويلها إلى إدارة للمجال بواسطة موازين القوة.

لذلك لا يتعلق الأمر برفض التحالفات أو التفاوض السياسي، فهما جزء طبيعي من الديمقراطية، وإنما برفض أن تتحول السياسة إلى صفقة حول الوطن نفسه.

فالمغرب ليس رقعة شطرنج تتقاسمها النخب، والمجال ليس غنيمة انتخابية، والمواطن ليس رقماً في دفتر الحسابات، والصوت الانتخابي ليس شيكاً على بياض يسمح لمن يفوز بأن يعيد تعريف حدود نفوذه.

وحين تصبح الكواليس أهم من صناديق الاقتراع، يصبح الخطر الحقيقي ليس في أن يفوز هذا الطرف أو ذاك، وإنما في أن تتحول الانتخابات من وسيلة لاختيار من يدير الشأن العام إلى وسيلة لإضفاء الشرعية على خرائط نفوذ جرى رسمها مسبقاً.

فالسلطة تُمنح لتدبير الدولة، لا لتقاسمها؛ والانتخابات تمنح تفويضاً، لا ملكية؛ والمغرب وطن واحد، لا مجموعة دويلات سياسية تنتظر فقط أن يُقسَّم بينها النفوذ ثم يُطلب من الشعب أن يصفق للعرض.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*