الكونفدرالية العامة للشغل توجه رسالة الى رئيس اللجنة الاستشارية المكلفة بإعداد النموذج التنموي

وجهت الكونفدرالية العامة للشغل رسالة الى رئيس اللجنة الاستشارية المكلفة بإعداد النموذج التنموي المحترم

ومما جاء في الرسالة التي توصلت بها ” سياسي”….:

إن المكتب الكونفدرالي المنضوي تحت لواء الكونفدرالية العامة للشغل CGT، وهو يتابع عن كتب أشغال اللجنة الاستشارية المكلفة بإعداد النموذج التنموي، منذ تعيينها إلى حدود الآن، تستوقفه العديد من الأسئلة التي لها راهنيتها وفي كل المجالات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، أسئلة متشابكة ومحرقة تتكاثف وتزداد أهميتها، لتتيح المكان للسؤال العريض، هل نحن بالفعل نمتلك مقومات الدولة؟ وهل نحن نعيش المواطنة؟ وهل الدولة التي نعيش فيها يمكن أن ينطبق عليها مفهوم الدولة بالمنطق المتعارف عليه، والتي تشكل فيها الحقوق والواجبات أهم البنود التي يرتكز عليها العقد المبرم بين المواطن والدولة؟ هل نحن دولة تأخذ بعين الاعتبار الوطن والمواطنة كعنصرين أساسيين في معادلة التغيير والتنمية؟ هل نحن دولة تجعل من الوطن فضاء يتسع للجميع، ويتعايش فيه الكل، يضمن التنوع والاختلاف، ويضمن الحريات الفردية والجماعية، وكذا الاستفادة المشروعة من ثروات البلاد؟

 

إن الإعلان عن فشل النموذج التنموي السابق، يدفعنا لطرح السؤال من جديد، هل بالفعل كان لنا نموذجا تنمويا، تمت صياغته ضمن توازنات وتوافقات كل القوى الحية في البلاد، أم هو نموذج تم فرضه علينا، يعكس التبعية الاقتصادية والتوصيات والتوجيهات المتسلطة للمؤسسات المالية الدولية، تلك التوصيات التي أفقرت البلد، واستغلت المواطن، وهمشت الطاقات، وجعلت الانسان مجرد آلة تتجاذبه كل النزعات، وأدخلته صراعا كبيرا في البحث عن الهوية،التي تمكنه من العيش ومسايرة العصر، نزعات ماضوية ظلامية، ساهمت فيها الامبريالية وكل الأنظمة الرجعية، الهادفة إلى ربط الانسان بالمفاهيم الغيبية، لإبعاده عن طرح الأسئلة الحقيقية للصراع من أجل الديمقراطية والتنمية، والأخرى نزعات تبتغي الالتحاق بالغرب، دون مراكمة واستيعاب القيم الانسانية التي أوصلت المواطن الغربي لهذا النمط من الحياة.

 

إن السياسات التي تعاقبت على هذا البلد، مع الأسف، كانت كلها تبتغي سلب المواطن كل مقومات الاستمرار، بحيث ساهمت في تدجينه وتهميشه، كما أن سياسات المؤسسات المالية الدولية التي تم تطبيقها في العديد من الدول، لم يكن همها بالأساس هو تطوير هذه الدول، بل من أجل ضمان تبعية هذه الدول للرأسمال المتوحش وجعلها رهينة له، تزيد من تفقير الشعوب، وتعمل على خلق أقلية محلية مصلحتها مرتبطة مباشرة بمصلحة هذا الرأسمال. وهذا هو عمق مشاكلنا، وسبب تخلفنا، أقلية هيمنت على السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والفكري، وهمشت كل الأصوات المعارضة، أضعفت الأحزاب والنقابات وجمعيات المجتمع المدني، بل نجحت في نخرها من الداخل، حولتها إلى دمية، تحركها في اتجاه مصالحها مقابل الريع والفتات، وحين تتحرك الجماهير تحت ضغط الأزمة لتطالب بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، يتم قمعها وسجنها، وبكل أبشع الصور، موظفة في ذلك، جهاز قضاء غير مستقل، وإعلام أغلبه محكوم ومسير تم تجريده من دوره النبيل. هذا مع الأسف، هو العنوان العريض للنموذج التنموي السابق.

 

لذا، فاحتراما لهذا البلد، وللتضحيات الجسام التي قدمها مواطنوه، يجب التوقف، وبكل الجرأة المطلوبة والمواطنة الصادقة، عند هذه المعطيات وعلى النزيف الذي سببه المسؤولون عن هذا النموذج التنموي، الذين لا زالوا حاضرين، ولم تتم مسائلتهم أو محاسبتهم على ما اقترفوه من تجني على حقوق هذا البلد، بل الأدهى من ذلك، أن الأوضاع تستمر وبالشكل الذي يكرس تغلغل الأزمة واتساع رقعة الفقر، وارتفاع نسبة الأمية والجريمة والانتحار والاتجار بالبشر، خارج منطق تقديم الاجابات على كل هذه الأسئلة التي تنبأ بتفجير الوضع.

 

لكل هذه الأسباب، ينبغي على الدولة رفع يدها على المجالين السياسي والاقتصادي، وجعل الفعل السياسي فعل للتغيير، لا للارتقاء الاجتماعي، ومن هنا تطرح مشروعية استمرار مجموعة من الأحزاب السياسية والاطارات النقابية التي تحاورتم معها بشأن النموذج التنموي الجديد، والتي في حقيقة الأمر، ونقولها بحرقة مؤلمة، إطارات شكلت تحت الطلب وأساءت لهذا البلد، وأخلفت الموعد مع التاريخ.

 

إذن، ومن منظورنا المتواضع، تبقى عملية التطهير ضرورة ملحة ولها راهنيتها، بهدف إجلاء كل المرتزقة على المجالين السياسي والنقابي، وذلك لإعادة الثقة للمواطنين حتى يكون للفعل السياسي معنى حقيقي. فالأحزاب السياسية على شاكلتها الحالية، لا يمكن أن تفي بالغرض، فأغلبها متجاوز ولا يستجيب لمتطلبات العصر، وذيلت لها الصعاب لتدبير المؤسسات العمومية الحساسة التي تهدر ميزانياتها بلا حسيب ولا رقيب، وفي الواقع هي لا تدبر شيئا، وإنما تدبر بالوصاية من طرف أسيادهم الذين كانوا وراء خلق هذه الاطارات السياسية والنقابية.

 

بالفعل، إنه واقع مرير، لكنه الواقع بكل تجلياته وحقيقته المؤلمة، إقلاع اقتصادي مؤجل، ديمقراطية وشفافية ونزاهة منعدمة، اقتصاد محكوم بتوازنات ماكرو اقتصادية، تعكس بجلاء مصلحة الرأسمال العالمي، وفي معظم الأحيان، غطرسة الباطرونا، مناخ أعمال ملغوم ومحكوم، واستثمارات متحكم فيها، اقتصاد هش، واستثمار أجنبي أو وطني لا هم له سوى الربح السريع، ولو على حساب معاناة الطبقة العاملة، مدونة الشغل متجاوزة، صيغت لترضي المقاولات، وتبيح إمكانية التسريح والإغلاق.

 

قطاعات اجتماعية مشلولة، مدرسة عمومية تم تخريبها وأفرغت من محتواها، لم تعد تعكس مجال المعرفة والتنور، نساؤها ورجالها يعيشون كل الويلات، منظومة صحية فاشلة، لم تعد تفي بمهمتها في تقديم الخدمات الصحية للمواطنين، تفتقد للبنيات التحتية، والأسرة الصحية باختلاف تركيبتها تعيش تحت وطأة الخصاص والحاجة.

 

وظيفة عمومية غارقة في المشاكل اليومية، نتيجة تدبير ارتجالي، يراد تبخيس عملها والتنقيص من كفاءتها ونجاعتها، للسماح للقطاع الخاص بأن ينتعش ويراكم الأرباح والثروات على حسابها.

 

قطاعي الشغل والسكن تستحوذ عليهما مافيات تغتني دون رقيب ولا حسيب، نسبة بطالة مرتفعة، واقتصاد عاجز عن إدماج حتى خريجي المدارس العليا والجامعات والمعاهد، بحث علمي مغيب ولا يستأثر بالاهتمام الواجب، لسبب بسيط أنه لا يشكل أولوية، في حين أن الطاقات الوطنية تستغل ويستفاد من خبرتها في جميع أنحاء المعمور.

 

وضع اجتماعي متأزم، جزء من هذا البلد يفتقد للبنيات التحتية الأساسية، وسكانه يعيشون تحت عتبة الفقر. هذه مع الأسف، هي مخلفات النموذج التنموي السابق، والذي لا يمكن لأي أحد نكرانها، ومن هنا جاء الاقرار بفشله.

السيد الرئيس المحترم،

إن اعتراضنا على هذه اللجنة، هو اعتراض من حيث الشكل والمضمون. فمن حيث الشكل، كان من المفروض فتح حوار وطني حقيقي بين كل الفاعلين الحقيقيين وكل الغيورين على مصلحة هذا الوطن، من أجل الوقوف على الوضع الحقيقي للتنمية، اللهم إذا كان الاقرار أن المغرب لا يتوفر على أحزاب سياسية ولا نقابات ولا جمعيات المجتمع المدني القادرة على مسائلة الواقع في كل تحولاته، وإذا كانت هذه هي الحقيقة، فمسؤولية الدولة إذن ثابتة في تشرذم وتهميش كل الأصوات المعارضة.

ومن حيث المضمون، نحن لا نبخس ولا رغبة لنا في التقليل من المستوى العالي للكفاءات التي تضمها اللجنة، ولكن المسألة أعمق من كل هذا، فملف في حجم وأهمية هذا الموضوع، يتطلب المسؤولية السياسية، لأن المغرب لا ينتظر من هذه اللجنة وبعد مرور مرحلة طويلة من النقاشات، أن تعطينا وصفة لعلاج أمراض هذا الوطن، لقد جربنا كل الوصفات الفوقية، والنتيجة هي المزيد من التهميش والتفقير.

 

إن المرحلة تتطلب الارادة السياسية المشتركة من طرف الدولة ومن طرف كل الفاعلين لتجاوز هذا الوضع، مرحلة نستحضر فيها مستقبل البلاد وسكانها، يحركنا الهم المشترك لبناء وطن للجميع (وطن للمغاربة)، هذه هي البوصلة التي من المفروض أن تقودنا جميعا لدخول عصر المنافسة والتحديات من بوابته الرئيسية. ومن باب التذكير، لا بد من الاشارة إلى أن هذا البلد يجود بالكثير من الطاقات والكفاءات المتنوعة والمتعددة التخصصات، لكن، مع الأسف، تم تهميشها لأنها رفضت أن تلعب دور التبعي الباحث عن الولاءات، أو غطاء بعض الأحزاب السياسية من أجل تحسين وضعها الاجتماعي، فمنها من أرغم على الهجرة، وبالتأكيد جزء من أعضاء هذه اللجنة عاش هذا الوضع، ومنها من تشبت بالوطن ليبقى ممانعا ومدافعا عن الممكن، اختار موقعه مع الكادحين، والمظلومين والمقهورين. لذا، وجب رد الاعتبار لهذه الكفاءات والطاقات.

 

إن تعيين لجنة تقنية لصياغة مشروع نموذج تنموي جديد، يعفيها ضمنيا من المسؤولية السياسية والتاريخية، فهي بالتأكيد لجنة تضم كفاءات، لكن هاته الكفاءات لن تكون، بأي حال من الأحوال، الفاعل الرئيسي في تدبير الشأن العام. إن دولة تحترم نفسها، واختارت التعددية كنظام سياسي والمؤسسات لتدبير الشأن العام، لها غرفتين برلمانيتين، وقطاعات وزارية، ومؤسسات وطنية متخصصة في كل المجالات لا يمكنها أن تقبل بهذا الوضع.

 

وانطلاقا من هذا المعطى، فإن القبول بلجنة لصياغة مشروع تنموي جديد، هو اعتراف صريح بأن هذا الإجراء، هو جزء من مسرحية كاتبها ومخرجها يعيشان في الظل. لذلك، فحكومتنا تقتصر مهمتها فقط في شرعنة والتصديق على بعض القرارات، التي في أغلب الأحيان، تكون قرارات جائرة ولا تخدم مصلحة الوطن والمواطنين.

 

بالتأكيد، ستشهد سنة 2021، إجراء الاستحقاقات الانتخابية العامة، وستنبثق عنها حكومة مكونة من مجموعة من الأحزاب، على اعتبار أن النظام الانتخابي المغربي، لا يتيح إمكانية أن يحصل حزب واحد على الأغلبية لتشكيل الحكومة، وبالتالي وجب ربط المسؤولية بالمحاسبة انسجاما مع دستور البلاد الشيء الذي لم يتحقق، وعند انتفاء هذا الشرط، تتشكل الحكومة من مجموعة من الأحزاب المفروض فيها المشاركة في الانتخابات على أرضية برنامج انتخابي يعكس المشروع المجتمعي التي تهدف إلى إنجازه.إذن ستشكل الحكومة من مجموعة من الأحزاب، التي من المفروض فيها دخول انتخابات على فرضية تطبيق المشروع المجتمعي من أجل تحقيق التنمية المتوخاة. ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال البديهي المتعلق بأي برنامج سيتم تبنيه واعتماده؟ هل هو برنامج هذه اللجنة أم برنامج الحكومة المعينة؟ ومن هنا تبدو المساحة الشاسعة التي تفصل بين استقلالية هذه الأحزاب، ومع الهامش الضيق المتروك لها لتنفيذ برنامجها، إن كان لها برنامج في الأصلي

السيد الرئيس المحترم،

هو بالفعل، سؤال مقلق من بين مجموعة من الأسئلة، أقلها إيلاما وليس آخرها، هي هل أعطيت لهذه اللجنة الصلاحيات الكاملة والواسعة، لأجل الخوض في كل المجالات لوضع اليد على كل الأمراض المزمنة التي يعيشها المجتمع، ومن المسؤول عنها؟ وإن كان غير ذلك، فما هي الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها؟

 

إن مسؤولية هاته اللجنة هي مسؤولية أخلاقية بالدرجة الأولى، تحتم عليها التحلي بالصدق والوضوح والتعامل مع الجميع على قدم المساواة، دون إقصاء، أو تموقف مسبق تجاه جزء من شعب هذا الوطن، يؤمنبالديمقراطية ويحلم بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. نعلم أن اللجنة قد أجرت لقاءات وحوارات مع مجموعة من الأحزاب والنقابات وجمعيات المجتمع المدني، وأغفلت أخرى، لذلك تطرح علينا أسئلة كثيرة من باب هل هذا الاغفال كان مقصودا أم سهوا، أو توصية، أو عدم دراية بالمشهد المغربي في تنوعه؟ ومن باب المسؤولية التاريخية، نذكركم أن جزءا من المجموعة التي تحاورتم معها، هي مع كامل الأسف، جزء من المشكل، ولا يمكن أن تكون جزءا من الحل.

 

بالتأكيد، ستطرح هذه اللجنة التقنية توصيات، لكن ما هي الآليات لأجرأتها، خصوصا، ونحن نعرف أن هيآت ولجان قد شكلت وفي مجالات متعددة، وأنجزت تقارير لكن تم ركنها في الرفوف. لذلك، وكما سبقت الاشارة إلى ذلك، تبقى الارادة السياسية هي المدخل الأساس لأجل وضع البلاد على السكة الصحيحة من أجل تجاوز الأزمة والخروج من جحيم التخلف.

 

بلادنا لها من الامكانيات ما يؤهلها للاصطفاف في خانة الدول المتقدمة، لها ثروات طبيعية، ولها موارد بشرية قادرة على رفع التحديات، لكن مع الأسف، هناك لوبيات ومافيات تسرق الثروة وتستعبد العنصر البشري وتمتص دماء الشعب.

 

وفي الأخير، نتمنى أن تكون هذه اللجنة في مستوى الكشف عن الحقيقة المرة المسببة في تخلف مجتمعنا، ناشدة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، مساهمة في مصالحة الشعب مع وطنه، على أساس ضمان الحرية والعيش الكريم، ورفع اليد على الصحافة الحرة المستقلة، وضمان قضاء نزيه ومستقل، والانحياز إلى قضايا الجماهير، وعلى رأسها الطبقة العاملة، وإطلاق سراح جميع معتقلي الرأي، وعلى وجه الخصوص، معتقلي الحركات الاحتجاجية.

 

وتفضلوا، السيد الرئيس المحترم، بقبول فائق التقدير والاحترام.

انتهت الرسالة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن المكتب الكونفدرالي

 

 

 

 

 

 

 

 

الكونفدرالية العامة للشغل

4 زنقة جزيرة العرب، باب الأحد – الرباط

الهاتف: 0661053015

البريد الالكتروني: [email protected]

Confédération Générale de Travail CGT

4 Rue Jazirate AL Arab, Bab AL Had –Rabat

Téléphone : 0661053015

E-Mail : [email protected]

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*