عيش نهار تسمع خبار؟! حتى المراحيض مراقبة بقطاع الفلاحة بوزارة أخنوش

سياسي/ رضا الأحمدي

إذا كان ملك البلاد يسعى جاهدا لتكريس دولة المؤسسات والاعتراف بحقوق الإنسان في بعدها الكوني بل وإقرارها وضمنها الحق في الحياة الخاصة، فإن هناك مرافق للدولة مازال تعمل بمنطق الدولة الدركية مجهزة على هذا الحق، ولا يبدو هذا الأمر غريبا إذا كان المقصود به قطاع الفلاحة بوزارة أخنوش.
ولتوضيح المسألة، فمديرية الشؤون الإدارية والقانونية بقطاع الفلاحة أعلنت عن صفقة عمومية بقيمة ناهزت 40 مليون سنتيم فتحت أظرفتها بتاريخ 17 مايو 2019 من أجل تزويد القطاع بأجهزة سمعية بصرية متضمنة أعمال الصيانة.
وللوهلة الأولى يبدو الأمر منطقيا مادام من حق جميع الإدارات العمومية التوفر على أجهزة سمعية بصرية لممارسة نشاطها الإداري، غير أن الذي خفي عن الجميع أنه تحت مسمى جهاز سمعي بصري يختفي جهاز تجسس اسمه الكاميرا.
ورغم أن كثيرين سيعتبرون الأمر عاديا، فليعيرونا انتباههم لنوضح لهم الخرق الخطير للقانون والهدر المتواصل للمال العام الذي ارتكبه مدير مديرية يفترض أنها وضعت في هيكل الوزارة من أجل ضمان سلامة تطبيق القانون أولا وأخيرا.
ورغم أن المنابر الصحفية ليست مدرجا من مدرجات كليات الحقوق، فإننا سنتقمص هذه المرة دور محاضر في مادة القانون بشقيه العام (الإدارة العمومية والنشاط الإداري) والخاص (التشريعان المدني والجنائي)، آملين أن نوفق في تقديم دروس في القانون لمن يفترض فيهم الدراية به.
فإضافة إلى مختلف الصكوك الدولية التي تؤكد على حماية الحياة الخاصة وكرامة الإنسان كفل الفصل 24 من دستور سنة 2011 لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة مؤكدا في نفس السياق عدم انتهاك سرية الاتصالات الشخصية، وهو أمر كرسته الدساتير السابقة.
ومن منطلق دستوري، صدر القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي ومرسومه التطبيقي رقم 2.09.165، متضمنا مجموعة من القواعد القانونية الآمرة والملزمة للجميع من أجل ضمان حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
وإذا كان تركيب الكاميرات بالإدارات العمومية تمليه ضرورة الحفاظ على الممتلكات والمرافق العامة، فإن ذلك وفق نفس القانون والمرسوم مقيد بضوابط خاضعة للرقابة وجب احترامها شكلا ومضمونا، ولهذه الغاية أحدثت اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي التي يعين أعضاؤها السبعة من طرف جلالة الملك.
فقبل تثبيت أي كاميرا بمكان عام أو حتى مكان خاص مشترك حسب المادة 24 من المرسوم المشار إليه، تقدم التصريحات والاستشارات وطلبات الأذونات من طرف المسؤول عن المعالجة أو الشخص الذي له صفة تمثيله إلى تلك اللجنة، وعندما يكون المسؤول عن المعالجة شخصا طبيعيا أو مصلحة فإنه تجدر الإشارة إلى الشخص المعنوي أو السلطة العمومية التي يتبع إليها كما هو الشأن بخصوص قطاع الفلاحة، وذلك قصد الحصول على التراخيص أو الأذون أو التصريحات اللازمة حسب الحالة.
ولمزيد من التدقيق، تشترط المادة 27 من نفس المرسوم أن تحدد الأذونات ما يلي:

1. هوية وعنوان المسؤول عن المعالجة ، أو هوية وعنوان ممثله المفوض إذا كان المسؤول الأول لا يقيم بالتراب الوطني ؛
2. الغاية أو الغايات من المعالجة المتوخاة ، فضلا عن تسميتها وخصوصياتها ؛
3. الروابط المتوخاة أو أي شكل من أشكال العلاقة مع معالجات أخرى ؛
4. المعطيات ذات الطابع الشخصي المعالجة ومصدرها وأصناف الأشخاص المعنيين بالمعالجة ؛
5. مدة الاحتفاظ بالمعلومات المعالجة ؛
6. المصلحة أو المصالح المكلفة بتنفيذ المعالجة وأصناف الأشخاص الذين يلجون مباشرة إلى المعطيات المسجلة بحكم وظائفهم أو لحاجات المصلحة ؛
7. المرسل إليهم المؤهلون لتلقي تبليغ بالمعطيات ؛
8. وظيفة الشخص أو المصلحة التي ينفذ لديها حق الولوج ؛
9. الإجراءات المتخذة لتأمين سلامة المعالجات والمعطيات ؛
10. الإشارة إلى المعالج من الباطن في حالة اللجوء إليه ؛
11. نقل المعطيات ذات الطابع الشخصي المتوخاة نحو بلد أجنبي.
وانطلاقا من ذلك، نجزم أن مديرية الشؤون الإدارية والقانونية لم تحترم هذه الضوابط بإعلانها عن الصفقة، فحتى في حال توفرها على إذن أو رخصة بذلك من تلك اللجنة، فإنها ثبتت الكاميرات بشكل يخالف التدابير المحددة من طرف اللجنة.
واختصارا للموضوع، فإن اللجنة المذكورة باعتبارها الجهة الوحيدة المسؤولة وطنية عن مراقبة احترام حماية المعطيات الشخصية، أصدرت بتاريخ 31 مايو 2013 مداولة عدد 350-2013 المداولة بشأن الشروط الضرورية لوضع نظام كامرات المراقبة بأماكن العمل والأماكن الخاصة المشتركة، وقد اشترطت أن يتم تعليق منشور بشكل بارز في مدخل البناية المعنية بالمراقبة لإخبار الأشخاص المعنيين بخضوعها للمراقبة، على أن يتضمن الإعلان اسم المسؤول عن المعالجة وسبب الوضع تحت المراقبة والغاية من جهاز المراقبة على أن لا يتجاز ذلك حماية الأشخاص والممتلكات أو يهدد الحياة الخاصة للأشخاص، وكذا بيانات التواصل مع المكلف بالمعالجة وحقوق الولوج إلى الجهاز أو تعديله أو الاعتراض أخيرا رقم التصريح بذلك لدى نفس اللجنة.
وإذا كنا نفترض أن المديرية المعنية احترمت هذه الإجراءات وعلقت المنشور بأبواب البنايات المعنية مكتوبا بالحبر السحري لأن لا أحد رآه، فإن نفس المداولة حددت مواقع الكامرات بمداخل ومخارج البنايات والممرات الخارجية مانعة تثبيتها داخل البنايات إلا إذا تعلق الأمر وأماكن حفظ البضائع وأماكن الخزائن المالية، وكما لو افترضت اللجنة غباء المديرية، فقد حرصت على التذكير في نفس المداولة بعدم قرب الكاميرات من المرحيض، بينما وضعت جل الكامرات المثبتة بناء على الصفقة قرب المراحيض بعناية وداخل البنايات إلى درجة أن إحدى الكاتبات بمديرية الشؤون الإدارية والقانونية اضطرت لتعطية الزجاج المتواجد فوق باب مكتبها بورب مقوى حتى لا ترى الكاميرا خصوصيات ما تقوم به داخل المكتب، علما أنه سبق إبرام صفقة خاصة بمراقبة مداخل وخارج البنايات ومرائب السيارات.
وحتى لو سلمنا بحسن نية مدير الشؤون الإدارية والقانونية في حرصه على حماية الأشخاص والممتلكات عبر الكامرات المثبتة داخل البنايات، فإن الكامرات المثبتة خارج البنايات رصدت اواخر شهر شتنبر 2019 أحد رجال الحراسة الخاصة التابعين لشركة مكلفة بالحراسة وهو يقوم بسرقة عتاد بعدما اصطحب معه سيارة نفعية لنقلها، وحين تم الاتصال بالمدير المذكور أنهى جميع انشغالات وجاء بسرعة البرق حرصا على المال العام وقام بكل الإجراءات اللازم إلا الإجراء الوحيد الذي يتعلق باختصاصه الأصيل المتمثل في تسجيل شكاية لدى النيابة العامة بعدما قرر عدم متابعة المعني بالأمر متنازلا عن حق من حقوق الدولة، وموجها رسالة للجميع فحواها أنه يمكن لأي كان إعادة المحاولة، ما يثير الشكوك حول سلوكه هذا ويطرح تساؤلا حول من خوله الحق في التنازل عن محاولة سرقة أموال عامة.
وكاستنتاج عام، فإن الغاية الوحيدة التي ثبتت من خلالها الكاميرات داخل البنايات إضافة إلى إهدار المال العام لغاية يعلمها صاحب الصفقة هي تعقب الحياة الخاصة للموظفين أو لموظفين بعينهم بهدف تصيد أدنى خطأ لممارسة التعسفات المعتادة، والدليل هو عدم استغلال الكامرات المشروعة المثبتة خارج البنايات لتحريك المتابعة.
ومن باب التذكير أن ما قام به السيد المدير يخالف القانون ويصنف في خانة الأفعال الجرمية المعاقب عنها قانونا بتهمة انتهاك الحياة الخاصة، وهو ما عممت بشأنه رئاسة النيابة العامة منشورا تدعو فيه المحامي العام الأول لدى محكمة النقض والوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف، ووكلاء الملك بالمحاكم الابتدائية إلى التطبيق “الصارم والسليم” للقواعد القانونية المتعلقة بحماية الحياة الخاصة للأفراد، حيث أن الفصل 447 من القانون الجنائي يحدد عقوبة سجن تتراوح بين ثلاثة أشهر وثلاث سنوات وغرمات.
ولمن يهمه الأمر، يقول تعالي في سورة الحجرات الآية 12 : “. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ”.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*