وهبي يحصد دعم كبار منتخبي وقياديي وشباب البام لقيادة التراكتور خلفا لابنشماس

 

علمت “سياسي”، آن مرشح الأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة عبد اللطيف وهبي أصبح قريبا جدا من الحصول على الإجماع في قيادة التراكتور في المؤتمر الوطني الذي سيعقد نهاية الاسبوع بالجديدة.

وقالت مصادر مقربة من وهبي ل” سياسي”، ان وهبي حصل على دعم كبير من ابرز قيادات الحزب والمنتخبين الكبار للبام والبرلمانيين والمستشارين الذين أبدو دعمهم لوهبي كأمين عام جديد لحزب الاصالة والمعاصرة خلفا لحكيم بنشماس.

ورغم تعدد الترشيحات، الا ان المحامي المثير للجدل وهبي، حصل على دعم منتخبي الحزب وشبابه ونسائه.

وأكدت مصادر” سياسي” ان ترشح هشام الصغير ما هو الا مجرد إعلان تموقعه في صف اخر، مع امكانية ان يتراجع ويدعم وهبي.

و في إطار ترشحه للأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة  قدم وهبي يطرح مشروع أرضية سياسية

لكم نص الأرضية

++++++++++++++++

 

مشروع ورقة سياسية

أسئلة آنية حول قضايا الديمقراطية والمرجعية الفكرية والعزوف وحقوق الإنسان والحريات واختلال المساواة الاجتماعية

عبد اللطيف وهبي:

      اتسم سلوك أنصار الديمقراطية بالمغرب، منذ أزيد من عقدين من الزمن، بميولات قوية نحو إتكالية مطبوعة بنوع من القدرية الفلسفية التي تفهم الواقع والأحداث على أنها خط متصاعد من التطور يترجم طبيعة المرحلة، وروح العصر الحديث الذي يجسد حتما قيم الحداثة وأساليب العقلانية المادية، والمؤسسات الديمقراطية.

       إنه سلوك يقوم، بوعي أو بدون وعي، على بديهية الفلسفة الكلاسيكية التي تفترض بشكل تلقائي أن الفكر يبحث دائما عن الحقيقة. إنه إرادة ترغب وتبحث عن الحقيقة. إنها بديهية تسلم مسبقا أن الفكر العقلاني له إرادة طيبة في البحث عن الحقيقة و يؤسسها على قرارات مفكر فيها. يترتب عن هذه البديهية أن البحث عن الحق و الحقيقة هو أمر طبيعي وسهل، لا ينقصه سوى القرار الذي يقنع خصومها أو أعدائهما.

حزب الأصالة والمعاصرة: من شجاعة التأسيس إلى شجاعة النقد والقطيعة البناءة

       وبما أن الديمقراطية والتحديث هي مرجعية الفكر السياسي اليوم، منطقه العصري، وروح تطوره الحتمي، فإن الأمر لا يقتضي سوى بناء تنظيمات، واتخاذ قرارات و إنشاء بلاغة قادرة على إزاحة كل التأثيرات الخارجية التي تغلط الفكر و تمنعه من إنجاز مهامه. يكفي أن نقيم مؤسسات من تسميات هذا الفكر ومن نظامه لكي نجسر الهوة بين حقائقه “الصائبة”، و الواقع الذي لا محالة سوف ينحني لنبل و إنسانية أهدافه. كل صعوبة أو عائق سيزول و يندثر أمام الانجراف القوي لقيم العصر الحديث التي هي حقوق الإنسان و الديمقراطية و حرية الفكر والتعبير. وكل عناد أو مقاومة ما هو إلا مدعاة للأسف والشفقة لأنه منتهي حتما في مزبلة التاريخ.

       المتتبع للحياة السياسية بالمغرب، وهي المطبوعة بالقليل من الحركية، سيلاحظ لا محالة، أن أنصار الديمقراطية فيها، إلى جانب أنهم قلة، لهم مواقف وسلوكات الفاعل الذي يكتفي بإعلان المبادئ، ويترك الأحداث وتطورات الواقع أن تأكدها له وهو مزهو في برج خطاباته ذات الإدعاء العقلاني والخاصية التجريدية.

      هذا الإيمان الساذج بالمفعول التلقائي للتاريخ: التاريخ العصري، هو الذي جعل الأحزاب الكبرى في المغرب، وعلى رأسها حزب الأصالة و المعاصرة الذي أسس لمشروعيته التاريخية على مبدئي الديمقراطية والتحديث، يثقون في قوة الخطابات السائدة في عصرنا، و يرون فيها قوة مكتفية بذاتها، قادرة على تغيير الواقع المغربي صوب الاتجاه المأمول، و إن كان لهم دور ما فإنه دور إنشاء تنظيمات، و أجهزة، و بث خطاب يمجد المؤسسات و القوانين في انتظار أن تستكمل الدورة الطبيعية للتاريخ مهامها وتنجز ما بدأته هناك في مناطق العالم المتحضر الذي يجرنا جميعا لنجسد روح العصر الحديث.

      هذه الثقة في نجاح الديمقراطية كحقيقة لعصرنا، و كفكر سيكتسح كل العقول، هو الذي جعل الأحزاب الديمقراطية بالمغرب دون نضال ديمقراطي، و صار هذا الأخير باردا، متراخيا لا يسمع له وقع إلا لماما. و جعلت السياسة لا تشتغل على وقائع و أحداث، و الحزب لم يعد القاطرة التي تشق المستقبل من رحم تناقضات الحاضر الطازج. هذه الثقة بالمفعول التلقائي للتاريخ هي مرض الديمقراطيين اليوم بالمغرب،   وهي التي أنستهم أن الفكر لا قيمة له دون واقع حي يدفعه للتفكير. واقع يحدث عنفا عليه. أنستهم أن الأساسي و الجوهري يوجد خارج الخطاب و الفكر. لأن البحث في الحقيقة لا يتم إلا داخل الزمان و في المكان. وهذا الأخير هو المجتمع المغربي بتاريخه المتميز الخاص الذي يجب أن يستفز القيم و المبادئ و الخطابات و يدخلها في مسارات لإنتاج تأصيل تاريخي لها في تجديد يبث فيها حرارة الواقع.

       هكذا فإن الحزب، حزب الأصالة و المعاصرة، ليس برجا لترقب الفجر الجديد. عليه أن يكون القاطرة التي تساهم في قيادة المجتمع، إرادة القوة لترجمة طموحات و أمال مجتمعه في التقدم و التنمية. و المرحلة هي مرحلة الديمقراطية والتحديث، ليست فقط بعد تفكير، بل أساسا بعد عناء النضال، و تجسيد الإرادة، والانخراط في حمأة النضال الديمقراطي “داخل الأحداث لصنع التطورات بجانب كل القوى الديمقراطية السياسة و المدنية الأخرى”.

       إن عقد مؤتمر الحزب في هذه المرحلة  من تاريخ النضال الديمقراطي المغربي، هو فرصة تاريخية، ليس فقط لتشخيص و ضع قائم، وهو أمر على غاية من الأهمية، بل كذلك فرصة لنقد الوضع  الحالي، بما فيه نقد وضع الحزب، ونقد الديمقراطية التي نعيش كتصورات و منجزات و آمال مستقبلية. لسنا في حاجة للقول أن النقد في فهم  الديمقراطيين، ليس ضدية و تجريح. بل هو تحليل جديد و فهم مغاير و جرأة  في الاقتراح و مقدرة على الإصغاء.

       على هذا الاعتبار، سوف يكون من باب الحكمة أن نتخذ مناسبة انعقاد مؤتمرنا لكي نساهم في التفكير،. ونحاول الفهم، بأشكال تتوخى التجديد وتشرأب للإبداع أمام واقع يحبل بتناقضات غير مسبوقة، و قضايا ليست و ليدة اليوم، لكنها تحتاج لحلول مغايرة، و رهانات إن لم نساهم في ربحها سيكون الخاسر الوحيد هو المجتمع والشعب الطامع للرقي و الازدهار.

       فلكي يقوم حزب الأصالة و المعاصرة أدوارا طلائعية في مستقبل المغرب، و سيساهم بقوة في بناء معالم تعاقد اجتماعي و سياسي جديد، و ترسيخ مكانته داخل الصف الديمقراطي مع أنصار الحرية و التقدم، خاصة أمام الانسداد الاقتصادي و التعثر التنموي الذي أصبح يملي ضرورة اجتراح بدائل تنموية تضع البلاد على سكة الالتحاق بالدول الصناعية و احتلال مرتبة راقية في الوضع الدولي، لكي يقود حزب الأصالة و المعاصرة المراحل المقبلة في السياسة كما في الاقتصاد، داخل الرأي العام كما داخل المؤسسات، على مناضلاته ومناضليه أن ينتقلوا من شجاعة التأسيس التي كلفتهم مجهودات جبارة و إقدام و تضحيات، إلى شجاعة النقد و القطيعة البناءة.

ثلاث قطائع أساسية

       إن مهام المؤتمر القادم، يجب أن تبتدئ من عملية تفكير سياسي تقوم على شجاعة مدنية لإنجاز ثلاثة قطائع أساسية وحيوية لتطور الحزب وإعطائه نفسا جديدا وقوة جديدة نحو تحقيق الأهداف التي أسست مشروعيته التاريخية. قطائع يمكن تلخيصها على الشكل التالي :

–        قطيعة تنظيمية.

–        قطيعة سياسية.

–        قطيعية فكرية.

       القطيعة التنظيمية هي التي يجب أن تنصب على تفكير جديد في الأداة الحزبية. فالثقة العمياء في المفعول التلقائي للتاريخ قادت إلى بناء حزب في مدينة الرباط، تمتلكه قيادة، تقتصر مهامه على الأوامر، و الضبط وتنظيم مناسبات حزبية (مجالس وطنية، جهوية، محلية…) واستحقاقات سياسية وطنية (انتخابات برلمانية محلية، جهوية…) و استصدار خطابات وبلاغات و بيانات… لا يشتغل الحزب إلا بمناسبات رسمية و لا يتعدى حدودها. و أصبح حزبا للأطر و المثقفين و المتمدرسين الذين لا تجمعهم سوى غيرة ديمقراطية ينتظرون أن يرونها في بلادهم تتجسد في قوانين و مؤسسات و نظم إدارية، باعتبارها فكرة العصر قادرة على أن تجد طريقها للواقع، بحكم أنها الأنسب و الأفضل.

      صار حزب الأصالة والمعاصرة جهازا يفتقر لامتداد الواقعي ودون حياة داخلية تجعله حساسا لمختلف ظواهر وقضايا المجتمع المغربي. لهذا فإن مؤتمر الحزب مطالب أن يجد صياغا و آليات تجعل الحزب يعيش كتنظيم شعبي يمتد لمختلف مفاصل المجتمع. وينشط الحياة الحزبية الداخلية لتمده بالطاقات و الأفكار. و يوسع من اللامركزية ليفتح المجال للشباب و النساء لتتشكل قيادات محلية و جهوية تنخرط في الممارسة السياسية التي تمكنها من التكوين لتصبح قيادات شابة تغدي دماء الحزب و تجدد عنفوانه.

 القطيعة السياسية هي التي يجب أن تصب في جهد يجعل الحزب يستعيد زمام المبادرة و يخرج من دائرة الإنتظارية، و من الأدوار التابعة لمبادرات الدولة و مؤسساتها.

     فمؤتمر حزب الأصالة و المعاصرة المقبل ملزم  بصياغة برنامج سياسي يعبئ حوله حلفائه السياسيين، ويمد يده للجميع، لا عداء مبدئي مع أي أحد، وينشأ مبادرات عملية تنصب حول قضايا حيوية للمجتمع المغربي، يلعب فيها دورا طلائعيا يمكنه من المساهمة في رد الاعتبار للسياسة و إضفاء طابع المصداقية على مؤسساتها، و ينشط دينامية مجتمعية  تعيد الحماسة للمواطنة النشطة الكامنة في أوساط الشباب المغربي.

       إن ضخ دماء جديدة، وبث حيوية داخل الحزب تقتضي مشاريع سياسية تنطلق من الواقع المحلي للقضايا الوطنية، و إشراك كل فعاليات الحزب و القوى المتحالفة معه للدخول في معارك لمناصرة الحقوق و تطويرها، و فرض بدائل و حلول للمعضلات الأساسية التي يعاني منها تطور المغرب. ثمت قضايا تطرحها حركية المجتمع المغربي، كقضايا التنمية المحلية و الجهوية. وتمت قضايا يتوقف عليها تقدم المغرب، كقضية التعليم و المدرسة العمومية والإعلام العمومي، و تمت قضايا تهدد اندماج المجتمع و تماسكه كقضايا البطالة و انتشار الفقر و توسع اللا مساواة  الاجتماعية. كلها محاور تنتظر من المؤتمر القادم للحزب أن يبلور حولها تصورات سياسية و برامج عمل تقدم كمبادرات داخل المجتمع و المؤسسات السياسية.

القطيعة الفكرية هي أن يتذكر مناضلات ومناضلو حزب الأصالة والمعاصرة، أن الديمقراطية ليست فكرة جاهزة نؤمن بها لجمالية مفرداتها. بل هي أفق للتفكير، ومجال الإبداع، ونشاط للتعدد و الاختلاف. وإطار للتضحية، لذلك على المؤتمر القادم أن يكون انطلاقة لجيل جديد  من الأفكار و المقترحات، خاصة أن الحزب قد راكم العديد منها في عملية نضاله الديمقراطي، و بقيت دون نقاش جدي داخلي، ودون أن تشكل موضوع تقاطبات داخل الرأي العام الوطني.

       إن المؤتمر القادم لحزب الأصالة والمعاصرة مطالب أن يتهيأ ليجعل من الحزب قوة مدنية ثقافية تنشط ديمقراطيا الرأي العام، و تدفع لتشكيل تحالف عريض و متنوع لنصرة الثقافة و الفكر العقلانيين و الديمقراطيين. فأن لا تكون للحزب أي امتداد إيديولوجي داخل فعاليات المجتمع المدني، هو أن يبقى الحزب أداة سياسوية منحصرة داخل المؤسسات و دون  دعامات مدنية و حضور على الجهة الفكرية و الثقافية.

       هكذا، فإن مستقبل حزب الأصالة و المعاصرة، ليكون فاعلا و بنفس جديد و حيوية منتجة، على مناضلاته و مناضليه أن يتخذوا فرصة المؤتمر القادم، كورشة لتحقيق هذه القطائع الثلاث باعتبارها مدخلا ديمقراطية لنضال سياسي جديد ينقل الحزب من الحتمية التاريخية التي سجنته في المؤسسات و الأدوار التابعة. إلى الديمقراطية النضالية التي تجعل الحزب و المؤسسات وليدة تطورات عملية في اتجاه التحقيق التاريخي للديمقراطية، باعتبارها جدلية المحلي و الوطني، و جدلية العالمي و الخصوصي.

حزب الأصالة والمعاصرة: ديمقراطية في ظل الاستمرارية

      أول نصر حققه حزب الأصالة، منذ تأسيسه إلى اليوم، وللتاريخ أن يؤكد هذا، هو النصر المتمثل في جعل مطلب الديمقراطية لا يتنافى أبدا مع الاستمرارية التاريخية للأمة المغربية. أي أن وجود و نضال حزب الأصالة “على أعطابه الداخلية” منح للحياة السياسية المغربية إمكانية تاريخية في التعاطي مع مطلب الديمقراطية خارج الثنائية الضدية : ديمقراطية/ استمرارية تاريخية. وأصبحت الديمقراطية مطلبا لجميع القوى الحية للبلاد بمضمون يزاوج بين خصوصية التاريخ المحلي واستمرارية مؤسساته، وبين التحديث و العقلنة و الانتخاب الحر و النزيه و التداول السلمي و القانوني على السلطة.

    مضى على المجتمع المغربي زمن كانت فيه قوى سياسة ترغب في فتح مستقبله على المجهول، و تنادي بتغييرات في البنية و التاريخ، باسم قيم تجريدية كان يقال عنها إنسانية و عالمية. ومضى على المجتمع المغربي زمن كانت تهدده بعض القوى المحافظة تسجنه في ماض عتيق غير قابل للتطور والتجديد.

   ومضى على الديمقراطيين في المغرب زمن كانوا في سوء تفاهم مؤلم مع حاضرهم. حيث كان جلهم مغرم بالقطيعة، ومولع بمعاكسة الاستمرارية، ويرفض التغيير من داخل المؤسسات.

اليوم، ومنذ تأسيس حزب الأصالة و المعاصرة ، وجدت المشروعية التاريخية أبناءها الديمقراطيين، و أصبح للديمقراطية إجماع لا يتضرر بالاختلاف حول مداها، عمقها، مجالاتها، ووتيرة إقرارها.

       لقد استطاعت النخبة المؤسسة لحزب الأصالة و المعاصرة أن تقنع تاريخ بلادها المحلي بأهمية الديمقراطية كأداة فعالة للتقدم و الازدهار. وساهمت “على أعطابها الذاتية والتنظيمية” في بناء الصرح المؤسساتي الذي يضمن اختلاف المصالح و يوجهها لخدمة وحدة البلاد.

      إلا أن المؤتمر الرابع لحزب الأصالة و المعاصرة يأتي اليوم في سياق آخر، و ضمن ظروف جديدة، تجاوزت السؤال الأولي للديمقراطية سؤال الوجود و أدخلت السياسة في أسئلة أكثر عمقا وتعقيدا من مرحلة التأسيس و النشأة التي انتصرت فيها الديمقراطية كنظام واحد للتنافس.

    فإذا كان للحزب “بنقائصه وأعطابه التي شخصناها بكل شجاعة مرارا وأمام الملء” الحق في أن يفتخر بمساهمته القوية في فرض الديموقراطية على الحياة السياسية كآلية وحيدة للاحتكام في الصراعات و الاختلافات، ضدا على التهديدات التي تتربص بنا مجتمعا و دولة. فإن المرحلة اليوم تقتضي من الحزب أن يطور من فهمه للديموقراطية التي يحتاجها المغاربة اليوم، ويبحث في إيجاد أدوارا جديدة، أكثر واقعية، للمؤسسات السياسية حتى يكون لها التأثير السياسي على حياة المواطنات والمواطنين.

        لقد ناضلت القوى الديموقراطية، وعلى رأسها حزب الأصالة والمعاصرة، لوضع التقعيد المعياري للديموقراطية بالمغرب، يجعل المؤسسات المنتخبة تشتغل وفق قوانين و نظم عقلانية واضحة و معروفة. وفي خضم هذا النضال، الذي لا يمكن أبدا عدم احترام نتائجه و أهميته في تاريخ المغرب، تحولت الديمقراطية من مطلب مادي للتأثير على تاريخ المغاربة نحو التقدم و الرخاء، إلى فرصة سياسية للنخب كي تحتل مواقع داخل المؤسسات و تشارك في تدبير الشأن العام، دون أفق اجتماعي، و دون برنامج اقتصادي ،  وفقدت بالتالي الحساسية مع الواقع اليومي لكل المغاربة.

      الأمر الذي جعل الديمقراطية تبدو في أعين عموم المغاربة على أنها آلية مؤسساتية لإيصال النخب للمناصب فقط، وليست آلية لإيصال مطالبهم و مشاكلهم للمؤسسات كي يتخذ القرار لفائدتهم. لقد لاحظ جميع المتتبعين للشأن السياسي بالمغرب، كيف أن الديمقراطية تحولت إلى دخان يخفي تهافت الكثير من النخب الحزبية على المواقع و المناصب و الامتيازات.

والحزب و هو أمام مؤتمره الرابع الذي يراد أن يكون منعطفا نحو تعميق نضالاته الديمقراطية، على عاتقه مسؤولية فتح سيرورة تحول الديمقراطية المغربية من حالتها “الغازية” التي عليها اليوم، إلى حالة “صلبة” و واقع حي منتج لتغييرات تخدم الاندماج الاجتماعي و تقوي التقدم الاقتصادي وتنمي الثقافة التحررية.

          فتجارب التناوب الحكومي لم تنجح في تفعيل الصلاحيات الواسعة الممنوحة لها، و النخب الحزبية غير منسجمة من الأجيال الحالية، و الحراك الاجتماعي الذي يقوده الشباب نزع المصداقية عنها، مما جعل المواطن يفقد الثقة في المؤسسات المنتخبة، و بالتالي تضرر النضال الديمقراطي بشكل كبير وتضررت معه أهمية و مصداقية العملية السياسية الديمقراطية.

       ورغم اتساع الحركية الاجتماعية التي يعرفها المجتمع المغربي، و التي أشاعت داخل شبابه ثقافة الاحتجاج، فإن الديموقراطيين لم يستطيعوا فرض التطبيق الديموقراطي للعديد من الإصلاحات الدستورية و القانونية و التنظيمية التي جاء بها دستور 2011،  وهو ما جعل الدستور المتقدم ينتج واقع معاكس للآمال و الطموحات التي حملته و جاءت به. واقع خال من كل المكتسبات التي ناضل من أجلها كل الديموقراطيون وعلى رأسهم حزب الأصالة و المعاصرة “على أعطاب سلوك بعض من قياداته في الأمانة العامة ومحيطها”.

  فأمام دستور ديمقراطي متقدم، و قوانين متطورة، ومؤسسات متعددة و مختلفة، نجد المجتمع المغربي يعيش سكونا سياسيا و حزبيا غير مسبوق، و تراجع مهول للعمل النقابي، وانحرافات للعديد من جمعيات المجتمع المدني. الأمر الذي جعل المواطن يتعمق فيه الشعور باليتم السياسي و انكمش داخل منطق مصالحه الخاصة التي سوف لن تتحقق له إلا إذا أعاد الوعي بأهمية ربط حياته الخاصة بتطورات الشأن العام.

   على أساس هذا الواقع غير الديمقراطي للحياة السياسية المغربية، تأتي ضرورة بناء حزب شعبي ديمقراطي ليشكل قوة ضاربة للدفاع عن الحلم الديمقراطي و تحويله إلى واقع حي قابل للتطور. فالقطيعة مع ثقافة الإتكالية و التقاعس داخل الحزب، و العمل على امتلاك زمام المبادرة السياسية سيخدم لا محالة عملية رد الاعتبار للمطلب الديمقراطي باعتباره مطلبا مجتمعيا، ومعه رد الاعتبار للعمل السياسي باعتباره عملا تمثيليا لطموحات و مصالح الشعب المغربي.

   إن مؤتمر حزب الأصالة و المعاصرة مطالب أن يكون محطة فارقة في عملية التطور الديمقراطي بالمغرب، بأن يتحول من حزب مؤسساتي “بالرغم من فرملتها للمصالح الذاتية الضيقة”، إلى حزب ينشئ مؤسسات ديمقراطية صلبة، إلى حزب يفعل المؤسسات لخدمة المواطنات و المواطنين. لذلك فعليه أن يساند العمل النقابي والعمل إلى جانب باقي القوى السياسية الديمقراطية من أجل رد الاعتبار “إلى جانب الفاعل السياسي” للفاعل النقابي ومنحه الدور الحيوي في تنمية الاقتصاد و المجتمع.

حقوق الإنسان والحريات

   كما أن للحزب أدوارا هامة عليه الإطلاع بها في مجال الحقوق والحريات، فإذا كان جزءا هاما، من المجتمع المدني قد عبر عن أهميته وجديته في الدفاع عن قيم العدل والحرية و حقوق الإنسان، فإن ترجمة مكتسبات هذا المجتمع إلى واقع مؤسساتي و نظم تنظيمية، هو من مهام الفاعل السياسي الديمقراطي، لذلك فإن حزب الأصالة و المعاصرة مطالب بتقوية تحالفاته وتطوير علاقاته مع أنصار حقوق الإنسان و دولة القانون. لتكوين جبهة و طنية مدنية سياسية متراصة لها إستراتيجية الإقرار الواقعي لكل المعاهدات و الاتفاقيات و النظم القانونية و الحقوقية الدولية التي صادق عليها المغرب و بقيت حبرا على ورقة.

      لا يمكن لحزب ديمقراطي مثل حزب الأصالة و المعاصرة، أن لا يستشعر أهمية تطوير قانون الحريات العامة الذي بقي متخلفا عن كل التطورات التي عرفتها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. ثم إن الإمكانيات التي يحبل بها دستور 2011، تمكن حزبنا من الوقوف على أرضية صلبة للدفاع عن الحريات الفردية و الحق في المساواة  و التدبير الشفاف و القانوني لكل الدوائر الحكومية.

    و إدا كان النضال الديمقراطي اليوم بالمغرب، يقف أمام العديد من القضايا و المشاكل و المطالب التي تمس مختلف المجالات و القطاعات، مما يزيد من صعوبة هذا النضال و تعقده، بفعل تعدد الاتجاهات و المجالات، بل وتناقضها في بعض الأحيان، الأمر الذي يجعله في كثير من الأحيان نضالا متشتتا لأنه مضطر للخوض في معارك مختلفة، إذا كان هذا الوضع التاريخي للمجتمع المغربي يطرح كل القضايا في مرحلة واحدة، فإن مؤتمرنا الرابع مطالب بأن يتبنى تصورا سياسيا يوحد نضالات الحزب المختلفة على مبدأ واحد يعطيها الانسجام في الأداء، و القوة في النتائج.

في الحاجة إلى جواب على سؤال القضايا الاجتماعية الحارقة

        إذا ما نحن حققنا القطيعة الفكرية التي نحن مطالبين بإنجازها لرؤية واقعنا بشكل جديد خارج الجاهز و منمط و المستورد، سواء من الخارج أو من ماضينا، فإننا نستطيع قراءة تاريخنا الوطني بأعين تستفيد من ما هو متاح عالميا، و تطويره بمعطيات مادية محلية.

و المتتبع اليوم لتناقضات المجتمع المغربي، و للأحداث التي تعبر عنها، و لكل الصراعات التي عرفها هذا المجتمع، في الاجتماع كما في الاقتصاد، في المؤسسات كما في المجتمع المدني، سوف يستخلص لا محالة، أن ثمة مبدأ أساسي و مطلب مركزي  و حيوي، يحرك ديناميكية كل الأحداث، و يقف وراء كل التناقضات التي تؤلم المجتمع المغربي و تخرج بعض شبابه للاحتجاج في الساحات العمومية. إنه مطلب المساواة الذي يشكل مبدأ أساسيا في الديمقراطية الحديثة، والعمود الفقري لمنظومة ثقافة حقوق الإنسان ودولة القانون.

       إن  أهمية الديمقراطية و ثقافة الحداثة و حقوق الإنسان، هي أنها تخلق باستمرار الوعي بظروف الحياة اليومية، و تولد لدى الأفراد الحاجة ليتمتعوا بالمساواة أمام ظروف العيش التي ما فتئت تتطور و تتقدم.

و إذا كان المجتمع المغربي قد عرف تأثيرات قوية و مستمرة من الخارج بفعل انفتاحه الدائم على العالم، فإن تطورات الوعي الاجتماعي داخله لم تعد تقبل بأوضاع اللامساواة التي ما انفكت تتعمق و تنتشر، سواء بين الفئات الاجتماعية أو بين المناطق الجغرافية، أو بين الجنسين.

        هكذا نلاحظ أن كل القضايا التي يطرحها المجتمع المغربي، من قضايا المرأة، و الطفل و انتهاء بقضايا القدرة الشرائية و تغطية شبكة الانترنيت، مرورا بقضايا التربية و التعليم (عفوا ابتداءا منها) و التشغيل والصحة و الإدارة والنقل و غيرها، هي قضايا تعبأ التنظيم و الفعل الاحتجاجي على أساس مطلب المساواة، في ظروف العيش و أمام خيرات الوطن.

       إن عدم الانتباه لمركزية هذا المطلب في الوعي الاجتماعي لعموم المغاربة، هو الذي قد يسقط الحزب الديمقراطي في الانعزالية عن قواعده الشعبية. لأن أهمية القوانين و المؤسسات بالنسبة لهذا الوعي المتنامي، لا تتجلى في قيمتها التجريدية، بل في واقعيتها التطبيقية. إذ أن هذه القوانين و الحقوق التي تدعي الحداثة و حقوق الإنسان، ليست سوى وعود كاذبة، و في أحسن الأحوال نوايا طيبة، إذا هي لم تترجم إلى واقع معيشي لعموم الأفراد.

إن أهمية النضال الديمقراطي في مجال السياسة و داخل المؤسسات، هي أساسا تضييق الهوة بين “المواطنة القانونية المجردة”، و ” المواطنة الواقعية”، وكلما كانت الهوة بينهما شاسعة، كما هو الأمر اليوم بالمغرب، كلما كان المتضرر الأول هو الديمقراطية كفكرة و كنمط للحكم.

       لقد خلقت وضعية التضخم القانوني، في التشريع وفي الخطاب، عند النخبة السياسية و المدنية، مع ضعف و هزالة التطبيق على أرض الواقع المعيشي للمغاربة، أرستقراطية سياسية من جهة تحتكر تدبير الشأن العام و تستفيد من السلطة و الامتيازات. كما خلقت، من جهة أخرى تهميش عموم المواطنين والزج بهم في مقتضيات عيش صعب و متعب لا يمت بصلة للوعود القادمة سواء من مؤسسات العولمة، أو من الرباط عاصمة الطبقة السياسية المغربية.

وحولت هذه الهوة السحيقة، الإصلاح السياسي بالمغرب إلى عمليات بيروقراطية هدفها الإحصائيات و لعبة الأرقام و المساطر الإدارية الخالية من كل تأثير على تنمية و تحسين ظروف عيش المغاربة. و انتهى الأمر بهذا الإصلاح إلى العودة الاضطرارية لتوسيع صلاحيات الدولة وتدخلها بشكل مشتت في خدمة التنمية الاجتماعية و الاقتصادية. ولعل الدعوة لنموذج تنموي جديد، لخير دليل على الانسداد الذي أوصلتنا له السياسة القائمة.

            إننا كمناضلات و مناضلي لحزب الأصالة و المعاصرة مطالبين أثناء انعقاد مؤتمرنا الرابع، أن لا نخطئ في قراءاتنا السياسية للوعي الاجتماعي للمغاربة، وأن نضع مطلب المساواة الاجتماعية في عمق برامجهنا و تصوراتنا. لأن هذا الوعي عبر في أكثر من مرة و في أكثر من مناسبة، على أن القضية الأساسية اليوم التي يميز بها أصدقائه من خصومه، هي قضية المساواة بين الجنسين، و بين المناطق الجغرافية، و بين الطبقات و الفئات الاجتماعية.

و بالنتيجة، فإن الديموقراطية التي يطالب بها عموم المواطنين، هي ديموقراطية اجتماعية و ثقافية و ليس فقط ديموقراطية سياسية تتزين بتعدد المؤسسات. و على أساس مبدأ المساواة الذي يهيكل وعي و فعل كل الديناميات الاجتماعية داخل المجتمع المغربي، علينا أن نحلل و نبني المواقف و التحالفات. فسواء بالنسبة لقضايا محلية و اللامركزية و الجهوية، أو بالنسبة لوقائع و أحداث تطرح هنا أو هناك، تهم الحريات الفردية و الحقوق الاجتماعية، او بالنسبة لمبادرات الإصلاح و التغيير التي تأتي بها الدولة أو قوى العولمة. فإن المبدأ المؤسس لنضالنا و استراتيجيتنا يجب أن يكون هو مبدأ المساواة الواقعية و الملموسة لكل المغاربة أمام خيرات وطنهم المادية و الرمزية.  

الانتخابات وخطر العزوف

       على الرغم من مظاهر الإجماع الذي تحظى به المؤسسات السياسية والمنتخبة داخل الطبقة السياسية المغربية، فإن مصداقيتها كواقع مغربي، تضرر كثيرا في الأوساط الطبقة الوسطى خاصة عند الشباب المتمدرس و المتابع بهذا الشكل او ذاك للشأن العمومي. ولعل هذا ما دفع العديد من الشباب و المتعلمين و المثقفين إلى العزوف عن المشاركة السياسية، سواء داخل الأحزاب، أو في الانتخابات التي تعد الآلية الأساسية لإنتاج النخب السياسية. إن درجة العزوف السياسي السائد في المجتمع المغربي، أصبحت اليوم من أهم المخاطر التي تهدد تطور الديموقراطية في المغرب. وصار مفروضا على كل من يهمه مستقبل الديموقراطية بالمغرب، التفكير الجدي في فهم أسباب هذا العزوف، و العمل على إيجاد حلول ناجعة للحد منه.

 صحيح أن العزوف السياسي بالمغرب ظاهرة قديمة و معقدة تمس مختلف جوانب قيام العملية السياسية، و نحتاج لفهمها و معالجتها أكثر من مقاربة واحدة. لكن اللحظة السياسية التي نحن مقبلين عليها في حزب الأصالة و المعاصرة، تستدعي منا اغتنام فرصة مؤتمرنا الرابع، لكي نبلور خطة عمل تمكن حزبنا من المساهمة الجادة في إعادة المصداقية للعملية الانتخابية.

      إن الإجماع الذي يظهر حول العملية الديمقراطية بالمغرب، لا يمكنه أن يخفي عنا ما يتربصه أعدائها داخل المشهد السياسي المغربي بسبب سلوكاتهم الانتهازية وحماية والتدافع حول مصالحهم الذاتية. وإذا أضيف العزوف السياسي إلى العجز الذي تعاني منه المؤسسات السياسية في إصلاح الواقع المغربي، فإن الديمقراطية في المغرب ستكون في وضعية جد صعبة و هشة، مما سوف يسهل لازدهار تيارين اثنين معاديين لها هما تيار السلطوية و تيار الشعبوية. فالسلطوية تستفيد من الضعف الواقعي للمؤسسات الديمقراطية لتنفرد بالقرار، والشعبوية تستفيد من العزوف عن المشاركة في العملية الديمقراطية لتستقطب وتجيش الأتباع بخطاب تبسيطي رفضوي تظلمي يدخل السياسية في منطق الانغلاق و الأحادية.

       و إذا كنا لا نطور الديمقراطية إلا بالمزيد من الديمقراطية، فإن مؤتمرنا عليه أن يؤكد أن الانتخابات تبقى تشكل الآلية الوحيدة للوصول إلى السلطة و تداولها، فرغم العيوب التي قد تنتجها (منتخبين دون مؤهلات، حكومات ضعيفة، استبداد الأغلبية…) فإنها الآلية السلمية الوحيدة القادرة على إنهاء الخلافات و الاختلافات.

    و عند قراءتنا للواقع المغربي فإن أسباب العزوف في الانتخابات، و في السياسية عموما، ليس الانتخابات في حد ذاتها، رغم ما يشوبها من مظاهر غير ديمقراطية. وليس عدم معرفة أهمية الانتخابات في أوساط الشباب المغربي. بل إن السبب الحقيقي وراء انتشار ظاهرة العزوف السياسي بالمغرب، هو الانفصال الدراماتيكي بين يوم الاقتراع من جهة والولاية الحكومية لمختلف الحكومات المتعاقبة على القرار السياسي من جهة ثانية.

إن على مؤتمر حزبنا أن يصب جهده في إيجاد حلول سياسية تجسر الهوة المهولة التي تفصل بين يوم الاقتراع، الذي تتجسد فيه السيادة للشعب المغربي، و بين الولاية الحكومية التي يدبر فيها الشأن العمومي. فغياب أي أثر لهذه الأخيرة على حياة المغاربة هو ما يجعل الانتخابات فاقدة للمصداقية لديهم، و هو في المحصلة النهائية، ما يعمق واقع اللامساواة التي يعانون منها في كل مناحي وجودهم.

       إن نجاح حزب الأصالة والمعاصرة في الدفاع عن الديمقراطية كعملية سياسية، تتقوى و تقوي الاستمرارية التاريخية لمقومات هويتنا المغربية، هو نجاح كان ورائه ذكاء الحزب في تجاوز الخطاب الثوري الذي يدعي القطيعة التاريخية، ويبني الديمقراطية التي تنتج الإصلاح و البدائل الواقعية. والتحدي السياسي الذي يقف أمامه حزب الأصالة والمعاصرة اليوم هو كيف نكون إصلاحيين دون أن نسقط في التقليد والمحافظة. كيف نبقى ديمقراطيين دون أن نسقط في الانتهازية الذاتية والشعبوية السياسوية التي لا تخدم التنمية والوطن.

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*