فاتن اليوسفي: امرأة تكتب المغرب من الداخل
سيناريست صنعت نفسها بعيداً عن الأضواء
وجد الجمهور نفسه في كلماتها قبل أن يعرف اسمها
الباحثة والناقدة آمال بن الطاهر
ثمة أسماء لا تحتاج إلى إعلان عن نفسها.
تتسرب بهدوء إلى وجدان المشاهد عبر جملة حوارية تصيب القلب، أو شخصية تبدو وكأنها خرجت من الحي المجاور. فاتن اليوسفي واحدة من هؤلاء. لا تملأ الصحف بصورها، ولا تتصدر برامج الحوار بفضائح مُصطنعة، لكن حين يُسأل المغربي عن العمل الذي أبكاه في رمضان الفائت، أو الشخصية التي رأى فيها أمه أو جارته أو حتى نفسه، غالباً ما يصف بغير علمه نصاً كتبته هذه المرأة.
فكيف يُصنع هذا النوع من الحضور الصامت؟
مهندسة تركت الكود وأمسكت بالحياة
ما لا يعرفه كثيرون أن المرأة التي تصوغ اليوم دراما بلد بكامله، درست في الأصل الهندسة المعلوماتية، وأمضت سنوات تُترجم العالم إلى أرقام وخوارزميات.
لكن ثمة شيئاً كان يعمل في الخفاء، ذلك الانتباه الحاد للناس من حولها، ذلك الشغف بالقصة الإنسانية التي لا تتسع لها الشيفرات والبرمجيات.
الانعطافة لم تكن اندفاعاً عاطفياً، بل كانت قراراً هادئاً وعميقاً: أن تترك يقين المهندسة وتقبل على مجهول الكاتبة. وهو قرار يستدعي شجاعة من نوع خاص، ليس شجاعة المقامر، بل شجاعة من يعرف ما يريد ويثق بما بداخله أكثر مما يثق بما يضمنه الآخرون.
ما منحتها إياه الهندسة لم يذهب سدى. فالعقل الذي يبني نظاماً من الصفر ويتعقب الأخطاء بصبر لا ينفد، هو نفسه العقل الذي يبني حبكة درامية متماسكة، يُوزع الشخصيات، يضبط الإيقاع، ولا يترك خيطاً معلقاً في الهواء.
ربما لهذا السبب تحديداً تبدو كتاباتها مُحكمة البناء، حتى حين تتوهم أنك أمام فوضى الحياة اليومية.
الكتابة من تحت، لا من فوق
ما يُميز فاتن اليوسفي عن كثير من كتّاب جيلها أنها لا تكتب عن الناس، بل تكتب منهم. الفارق دقيق لكنه جوهري. الكاتب الذي يكتب عن الناس ينظر إليهم من شرفة عالية، يُشفق، يُحلل، يُقدم نفسه وسيطاً بين الواقع والشاشة. أما من يكتب منهم، فهو من نزل إلى الحارة، جلس في المقهى، سمع الجدال في الحافلة، وقرأ ما يكتبه الناس في ساعات الليل المتأخرة حين تنكسر الحواجز.
مواضيعها لا تُستدعى من المكتبات ولا من نظريات علم الاجتماع.
تُستدعى من الحياة المغربية في تفاصيلها التي يتحاشاها الجميع: المرأة التي تحمل الأسرة على كتفيها وتبتسم لأن البكاء ترف لا تملكه، الرجل الذي يتفكك أمام سرعة العالم ولا يجد من يسمعه، العائلة التي يسكنها الحب والتوتر في آنٍ واحد، ذلك الاشتباك اليومي بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن.
هذه الهوة بين المُتخيَّل والمعيش هي مادتها الدرامية الأثيرة، وهي ما يجعل مشاهدها يقول بعد كل حلقة: “هذا أنا بالضبط.”
الشريط القصير: حين تكون المساحة الضيقة أوسع
في زمن يتسابق فيه الجميع على الثلاثين حلقة والموسم الثاني والثالث، اختارت فاتن اليوسفي في مراحل مسيرتها أن تُراهن على الشريط القصير والدراما المكثفة. وهو رهان يكشف عن كاتبة تعشق التحدي، لا الأمان.
الحلقات القليلة تعني أن لا مجال للترهل، لا وقت لحوارات تملأ الفراغ، لا حيلة بالشخصية الثانوية التي تُطيل العمر الافتراضي للحبكة.
كل كلمة يجب أن تحمل ثقلها، كل مشهد يجب أن يُحرك شيئاً، كل شخصية يجب أن تُبرر وجودها منذ اللحظة الأولى. إنها كتابة تحت الضغط بامتياز، وهي في هذا الضغط تتألق.
هذا الخيار يُفسر كذلك نضج صنعتها: من يتمرن على الكتابة المكثفة يُتقن الكتابة الموسعة، لكن العكس ليس صحيحاً بالضرورة. الموسيقي الذي يُتقن عزف المقطوعة كاملة في دقيقتين، أقدر على امتلاء أي صالة من ذاك الذي لا يُجيد إلا الارتجال المُطوَّل.
نوستالجيا ليست هروباً، بل سؤال
حين أعادت في أحد أعمالها الزمن إلى التسعينات المغربية )طريق ليسي، رمضان 2025(، لم يكن ذلك حنيناً سياحياً إلى حقبة جميلة. كان سؤالاً يطرحه العمل على المشاهد بطريقة غير مباشرة: ما الذي خسرناه حقاً بين ذلك الزمن وهذا؟ ما الذي كان بسيطاً فجعلناه مُعقداً؟ ما الذي كان حقيقياً فاستبدلناه بنسخة رقمية باردة؟
التسعينات في ذلك العمل ليست ديكوراً جمالياً، بل هي مقياس يقيس به المشاهد مسافة ما جرى له.
ولعل هذا ما يجعل الجيل الأكبر يُشاهد ودموعه تسبقه، فيما يجلس الجيل الأصغر مبهوراً أمام عالم لا يعرفه لكنه يُحس بأنه افتقد شيئاً منه قبل أن يولد.
هذه القدرة على الكتابة لجيلين في آنٍ واحد، ليست موهبة عادية.
حين تتوقف الساعة: الاستراحة كفعل إبداعي
الكاتب الحقيقي لا يخاف الصمت. يعرف متى يملأ الصفحة ومتى يتركها فارغة.
فاتن اليوسفي أثبتت هذا حين قررت أن تأخذ نفساً طويلاً بعد مرحلة من الإنتاج المكثف، لا لأنها نضبت، بل لأنها تعلمت أن الينبوع يحتاج أحياناً إلى أن يتجمع في العمق قبل أن يتدفق من جديد.
الاستراحة عندها جاءت محملة بمشروع أكبر: رواية. الشكل الأدبي الذي لا يُتسامح فيه مع التخفيف والمجاملة، حيث الكاتب وحيد تماماً أمام كلماته، لا إخراج يُنقذ الضعيف من النص، ولا أداء ممثل يُضيف ما لم يكتبه. والرواية هنا ليست مجرد طموح أدبي، بل أمانة موروثة، وصية أب يستحق أن يتحول صوته إلى ورق.
خاتمة: قلم لا يعتذر
في مشهد ثقافي يتشابك فيه الإنتاج التجاري مع الطموح الفني، وتتزاحم فيه الأسماء على حساب الجودة، تمضي فاتن اليوسفي في طريقها باتزان من يعرف أن النص الجيد هو الذي يبقى بعد أن تنتهي حرارة الموسم الرمضاني.
لا تكتب لتُرضي المنتج ولا لترضي الناقد ولا لترضي خوارزميات المشاهدة.
تكتب لأن ثمة ما يجب أن يُقال، ولأنها وجدت في الكلمات ما لم تجده في الأرقام.
وكم من مغربي رأى نفسه يوماً في إحدى شخصياتها، فشعر أن أحداً ما رآه أخيراً.
ذلك هو الأثر الحقيقي للكتابة الصادقة، لا الجائزة، ولا السبق، ولا نسبة المشاهدة. بل تلك اللحظة الخاطفة حين يقول الإنسان في سره: “هذا أنا.”
