كتبت نعيمة لحروري….
لم أكن أتمنى أن يأتي يوم أكتب فيه هذه الكلمات.
منذ التحاقي بحزب التجمع الوطني للأحرار سنة 2021، عشت تجربة سياسية آمنت بها بصدق.
خضت باسمه انتخابات مجلس جهة الشرق بإقليم فجيج، عبر اللائحة المباشرة وليس عبر الجزء المخصص لتمثيلية النساء، وحظيت بثقة ما يقارب 13 ألف صوت، ثم تحملت مسؤولية نائبة لرئيس مجلس جهة الشرق.
ولم يكن العمل السياسي بالنسبة إليّ يوما بحثا عن موقع أو صفة. كان دافعي الأول، ولا يزال، هو الذود عن مصالح إقليم فجيج الذي أنتمي إليه؛ هذا الإقليم البعيد والمهمش الذي يستحق أن يكون له صوت قوي يدافع عن حق ساكنته في التنمية والإنصاف.
لهذا كان من أقسى محطات تجربتي إزاحتي من منصبي كنائبة لرئيس مجلس جهة الشرق. لم أكن أرى في ذلك المنصب امتيازا شخصيا، بل أداة كنت أعوّل عليها كثيرا لخدمة ساكنة إقليم فجيج، وإيصال صوتها والدفاع عن نصيبها من مشاريع الجهة. آلمتني تلك اللحظة كثيرا، ومع ذلك بقيت، وصمتُّ، وواصلت العمل والدفاع عن الحزب واختياراته، في الميدان وفي الإعلام، في الأيام السهلة كما في الأيام الصعبة.
كما لا يمكنني أن أتجاهل ما وقع حين اضطررت إلى رفع دعوى قضائية بشأن المؤتمر الاستثنائي للحزب. كانت تلك مرحلة مؤلمة، خلّفت الكثير من الشنآن وسوء الفهم، وعمّقت الجراح بين أبناء البيت الواحد. غير أن تلك المرحلة انتهت بالصلح، وبقرار فتح صفحة جديدة أساسها الثقة المتبادلة، وحسن النية، والرغبة في تجاوز الخلافات حفاظا على وحدة الحزب واستمراره. وقد اخترت يومها أن أتعامل مع ذلك الصلح بصدق، وأن أضع ما وقع خلف ظهري، وأن أواصل العمل بروح إيجابية، وفاء لما جمعنا، وإيمانا بأن الخلاف مهما اشتد لا ينبغي أن يهدم جسور الاحترام.
قدمت ما استطعت، وصبرت على الكثير، وفي كل مرة كنت أجد لنفسي سببا جديدا للبقاء، لأنني كنت أؤمن أن الوفاء والعمل وثقة الناس لا يمكن أن تكون بلا معنى.
اليوم، يؤلمني أن أقول إن تجربتي داخل التجمع الوطني للأحرار، وخصوصا ما عشته في ملف تمثيلية النساء، جعلتني أفقد هذا الإيمان.
كما أرفض بوضوح الأسلوب الذي يجعل الرجل يفرض امرأة بعينها على الحزب، وكأن النساء لا يملكن القدرة على الاختيار، ولا الحق في التنافس، ولا الأهلية لتحمل المسؤولية بقرار مستقل. إن تمثيلية النساء لا ينبغي أن تتحول إلى مجال للوصاية أو إلى امتداد لإرادة رجل، بل يجب أن تقوم على الكفاءة، والاستحقاق، والاختيار الحر، واحترام إرادة المناضلات والمناضلين.
كنت أظن أن تمكين النساء يعني إنصاف المرأة التي تناضل، وتخوض صناديق الاقتراع، وتصنع لنفسها مكانا بين الناس، وتراكم التجربة وتتحمل المسؤولية. لكن ما عشته جعل المسافة كبيرة جدا بين ما كنت أؤمن به وبين ما وجدته في الواقع.
ولست أكتب هذا لأعاتب أحدا أو لأجرح أحدا. بعض الخيبات أكبر من العتاب، وبعض القرارات تأتي بعد أن يصبح الاستمرار أكثر إيلاما من الرحيل.
لذلك أغادر اليوم حزب التجمع الوطني للأحرار بقلب مثقل، وبإحباط لم أكن أتمنى أن تنتهي به تجربة بدأت بكل ذلك الأمل.
ويبقى اعتذاري لمن وضعوا ثقتهم فيّ، ولأهلي وناسي في إقليم فجيج الذين آمنوا بي وانتظروا مني الكثير.
أقول لهم: أنا أغادر حزبا، ولا أغادركم.
ثقتكم لم تكن يوما مرتبطة بمنصب أو بلون سياسي، وهي بالنسبة لي عهد. سأظل إلى جانبكم، أحمل قضاياكم وأدافع عن حق إقليمنا في الإنصاف والتنمية، أينما كنت.
أغادر دون إساءة لأحد، ودون إنكار لما كان جميلا في هذه التجربة، لكنني أغادر وفي داخلي يقين واحد:
لقد أعطيت هذه التجربة من قلبي ما يكفي..
ولم يعد في القلب ما يحتمل خيبة أخرى..
نعيمة لحروري

@à la une
