رحيل صاحب قطار الحياة في ليلة القمر الأحمر
عبد المجيد الفرجي
في رحيل عبد الهادي الخياط لا نفقد صوتا فقط، بل نخسر طبقة كاملة من الحساسية الفنية التي كانت ترى في الأغنية فعلا ثقافيا، لا مجرد استهلاك عابر.
كان صوته ينتمي إلى زمن كانت فيه الموسيقى المغربية العصرية تفاوض الحداثة دون أن تتخلى عن روحها، وتقاوم القولبة والتنميط وعولمة الذوق التي تفرغ الأغنية من سياقها وهويتها.
أغانيه، وعلى رأسها “قطار الحياة”، لم تكن مجرد ألحان ناجحة، بل سرديات مفتوحة، تحمل وعيا بالزمن وبالتحول وبالإنسان وهو يعبر محطاته. كانت الأغنية عنده حكاية، واللحن مسارا، والكلمة سفرا في المعنى. لذلك حفظها جيل كامل لا كأثر فني فقط، بل كجزء من تكوينه الوجداني.
بالنسبة لشباب أواسط وأواخر التسعينات من القرن الماضي، كانت تلك الأغاني (في المعهد الموسيقي أو دار الشباب أو الثانوية) درسا غير معلن في الإصغاء، وفي فهم أن الفن يمكن أن يكون تهذيبا للذوق، ومقاومة ناعمة، وبناء للهوية دون صخب.
في زمن لم تكن فيه الوسائط متاحة، كان البحث عن الأغنية، وتفريغ كلماتها، وتداولها، فعلا ثقافيا بحد ذاته، شكلا من أشكال التعلم الفني البطيء والصبور.
عبد الهادي الخياط لم يترك لنا أغاني فقط، بل ترك طريقة في التفكير في الغناء، وفي العلاقة بين الصوت والمعنى، وبين الفن والإنسان.
لذلك يبدو رحيله كأنه نهاية فصل، لا لأن أثره انتهى، بل لأنه صار جزءا من الذاكرة التي نعود إليها كلما أردنا أن نتذكر أن للأغنية روحا، وللكلمة وزنا، وللفن قدرة على أن يصنع أثرا هادئا لكنه عميقا.
رحم الله من ركب قطار الحياة، وعلّمنا أن السفر في المعنى لا يحتاج ضجيجا، بل صدقا.
