حين تتحول وجبة الفطور إلى خطر على الصحة.. “دودة” في طبق بمطعم عصري بمارينا سلا

كتبها: الحسين الحنشاوي

حين تتحول وجبة الفطور إلى خطر على الصحة.. دودة في طبق بمطعم عصري بمارينا سلا وصمت أرقام التبليغ عن الغش!

ليست كل الحوادث التي تقع داخل المطاعم مجرد أخطاء عابرة يمكن طيّها باعتذار بارد أو تبرير مرتجل، فحين يتعلق الأمر بسلامة ما نأكله، فإن المسألة تتجاوز حدود الزبون والمطعم لتصبح قضية صحة عامة، ومسؤولية قانونية وأخلاقية، واختبارا حقيقيا لمدى حماية المستهلك من الغش والإهمال والاستهتار.

صباح يوم الأحد، قصد أفراد من أسرتي أحد المطاعم العصرية التي افتُتحت مؤخرا بفضاء مارينا سلا، بحثا عن لحظات هادئة ووجبة فطور في مكان يفترض أن تتوفر فيه شروط النظافة والجودة، وأن يحترم أبسط قواعد السلامة الصحية.

لكن المفاجأة التي لم تكن في الحسبان كانت وجود دودة تتجول وسط الطعام! مشهد صادم وثّقته الصورة، وحوّل لحظة الاستمتاع بوجبة الصباح إلى واقعة تثير الاشمئزاز والاستنكار، وتطرح أسئلة جدية بشأن شروط إعداد الأطعمة وتقديمها ومراقبة سلامتها.


إن وجود جسم غريب من هذا النوع وسط الطعام، بصرف النظر عن التفسير الذي قد يقدمه المسؤول عن المطعم، ليس تفصيلا تافها ولا أمرا ينبغي التعامل معه بمنطق الاستهانة.

إنه مؤشر يستدعي التحقق الفوري من ظروف التخزين والتحضير والنظافة، وتحديد مصدر الخلل، والتأكد مما إذا كانت الواقعة معزولة أم أن الأمر يستوجب فحصا أوسع للمطبخ ومرافق إعداد الوجبات.

فصحة المستهلك ليست مجالا للتجريب، وثقة الزبون لا تُشترى بالديكور العصري ولا بالأثاث الأنيق ولا بالموقع الجذاب، وإنما تُكتسب قبل كل شيء باحترام شروط السلامة الغذائية.

الأخطر من الدودة.. طريقة التعامل مع الاحتجاج!

لكن ما زاد الواقعة إزعاجا لم يكن فقط ما ظهر وسط الطعام، بل الطريقة التي جرى بها التعامل مع محاولة الاحتجاج على ما حدث.

فبدل أن يكون الرد هو الاستماع إلى الزبائن، والاعتذار عن الواقعة، والتحقق من مصدر الخلل، وإظهار الاستعداد لتحمل المسؤولية، فوجئ أفراد أسرتي، بحسب ما عاينوه، بانفعال المسؤول عن المطعم أو صاحبه ورفعه صوته في مواجهتهم، في تصرف بدا وكأنه يرمي إلى ثنيهم عن تقديم شكاية بشأن ما وقع.

وهنا نطرح السؤال بوضوح: هل أصبح الزبون مطالبا بالصمت حين يعثر على ما لا ينبغي أن يكون في طعامه؟ وهل الاحتجاج على واقعة تمس السلامة الصحية استفزاز للمطعم، أم حق مشروع للمستهلك وواجب تفرضه المسؤولية تجاه بقية الزبائن؟

إن أي مؤسسة تحترم نفسها لا ينبغي أن ترى في التبليغ عن خلل صحي تهديدا لسمعتها، بل فرصة لتصحيح الخطأ وحماية الناس.

أما تحويل الاحتجاج إلى مواجهة بالصراخ، إن تأكدت ملابساته لدى الجهات المختصة، فلا يحل المشكلة ولا يمحو الواقعة، بل يضاعف الحاجة إلى تدخل الجهات المعنية، حتى لا تتحول سلطة صاحب المحل إلى وسيلة لإسكات المستهلك بدل الإنصات إليه.

والأمر هنا لا يتعلق بتصفية حساب مع مطعم بعينه، ولا بإصدار حكم مسبق على مسؤولية لم تحسم فيها الجهات المختصة بعد، بل بالدفاع عن حق المواطنين في غذاء سليم، وفي معاملة تحفظ كرامتهم، وفي آليات فعالة للتبليغ عن كل ما قد يهدد صحتهم. فالتثبت والتحقيق واجبان، لكنهما لا يبرران تجاهل الواقعة أو التقليل من خطورتها المحتملة.

اتصلنا بأرقام التبليغ.. لكن من يجيب المستهلك؟

أمام هذه الواقعة، لم أكتف بالتوثيق أو الاستنكار، بل حاولت البحث عن المسار المؤسساتي الذي يفترض أن يسلكه كل مواطن حين يواجه حالة يشتبه في ارتباطها بسلامة المواد الغذائية.

اتصلت بالرقم المختصر 5757، الذي لجأت إليه باعتباره رقما للتبليغ عن الغش والأسعار وحماية المستهلك، لكن لم أتلق جوابا.

ثم حاولت الاتصال بالرقم القار للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، المعروف اختصارا بـ«أونسا»، على الرقم 05 37 67 65 00، غير أن النتيجة كانت مماثلة: لا أحد يجيب، وفق ما عاينته خلال محاولات الاتصال.

وهنا تنتقل الحكاية من حدود طبق طعام إلى سؤال أكبر يتعلق بفعالية قنوات التبليغ ومدى قدرة المواطن على الوصول إلى الجهات المفترض أن تحميه.

فما الجدوى من أرقام توضع رهن إشارة المستهلك إذا تعذر عليه التواصل عبرها في اللحظة التي يحتاج فيها إلى التبليغ؟ وما قيمة التحسيس بأهمية محاربة الغش الغذائي إذا كان المواطن، وهو يحمل صورة واقعة تستدعي التحقق، يجد نفسه أمام هاتف لا يرد؟

وللإنصاف، فإن عدم الرد خلال محاولات الاتصال التي قمت بها لا يكفي وحده للجزم بأن هذه الأرقام معطلة أو أن المصالح المعنية لا تقوم بواجبها، لكنه يكفي لطرح سؤال مشروع بشأن سهولة الولوج إلى خدمة التبليغ، وتوقيت الاستجابة، ووجود بدائل واضحة وفعالة حين يتعذر الاتصال. فالمواطن لا يهمه أن يكون الرقم منشورا في دليل أو على موقع إلكتروني بقدر ما يهمه أن يجد من يستمع إلى بلاغه، ويوجهه إلى المسطرة المناسبة، ويتعامل مع الوقائع التي يحتمل أن تمس سلامة صحته بالجدية المطلوبة.

إن حماية المستهلك لا تتحقق بالنصوص القانونية وحدها، ولا بمجرد وجود مؤسسات تحمل اختصاصات محددة، وإنما بقدرة هذه المؤسسات على تحويل القانون إلى حماية ملموسة، خصوصا حين يتعلق الأمر بقطاع يمس الحياة اليومية للمغاربة، من المخابز ومحلات الوجبات السريعة إلى المطاعم الفاخرة والعصرية.

فالمعيار الحقيقي ليس شكل المحل ولا ثمن الوجبة، وإنما مدى احترام قواعد السلامة الغذائية، أيا كان المكان أو الزبون.

مارينا سلا.. جاذبية الفضاء لا تعفي من الرقابة

تُعد مارينا سلا فضاء يستقطب الزوار والأسر، بما يضمه من مرافق ومحلات ومطاعم.

ومن الطبيعي أن يتوقع رواد هذا الفضاء مستوى من الجودة والنظافة يتناسب مع صورته ومكانته. لكن أي فضاء، مهما كانت جاذبيته، لا يمكن أن يكون بمنأى عن المراقبة، ولا ينبغي أن تتحول حداثة المطاعم أو حداثة افتتاحها إلى قرينة تلقائية على احترام معايير السلامة.

إن المطلوب ليس التشهير بالمؤسسات أو إصدار أحكام جماعية، بل إخضاع كل ادعاء جدي للتحقق الميداني، والتأكد من ظروف إعداد الطعام وحفظه، ومن سلامة المواد المستعملة، ومن مدى احترام الشروط الصحية المعمول بها.

وإذا ثبت وجود إخلال، وجب اتخاذ الإجراءات التي يفرضها القانون، بما يحمي المستهلك ويمنع تكرار الواقعة.

كما أن الجهات المسؤولة عن تدبير الفضاء مطالبة، في حدود اختصاصاتها، بالتأكد من وضوح مساطر التبليغ عن الاختلالات، وتوجيه المتضررين إلى الجهات الرقابية المختصة، وعدم تركهم وحدهم في مواجهة مواقف قد تتحول من مجرد خلاف مع مقدم خدمة إلى مسألة تتعلق بالصحة العامة.

من يحمي المستهلك حين يتعذر عليه التبليغ؟

إن الواقعة التي عاشتها أسرتي تفتح الباب أمام مساءلة ضرورية: هل تتوفر للمواطن المغربي آليات عملية وسريعة للتبليغ عن الاشتباه في فساد المواد الغذائية أو تلوثها؟ وهل توجد مسطرة واضحة تتيح له إرفاق شكايته بالصور، وتحديد مكان الواقعة وتوقيتها، والحصول على ما يفيد تسجيل البلاغ ومتابعته؟ وهل يُطلع المستهلك على الجهة المختصة التي ينبغي أن يقصدها إذا لم يتلق جوابا عبر الهاتف؟

هذه ليست أسئلة تقنية هامشية، بل عناصر أساسية لبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.

فحين يواجه المستهلك واقعة مقلقة، ينبغي ألا يُطلب منه أن يكون خبيرا في توزيع الاختصاصات بين الإدارات، ولا أن يقضي ساعات في البحث عن رقم بديل، ولا أن يكتفي بنشر صورة على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يسمع أحد صوته.

والأجدى أن تتوفر قنوات تبليغ معلنة وفعالة، وأن يجري التعامل مع الشكايات المرتبطة بالسلامة الغذائية وفق درجة خطورتها، مع توثيقها وإحالتها على المصالح المختصة، وإخبار المشتكي بما آل إليه بلاغه وفق المساطر المعمول بها.

كما ينبغي تشجيع المستهلكين على التبليغ المسؤول، بعيدا عن التشهير غير المثبت، حتى تصبح حماية الصحة العامة مسؤولية مشتركة لا شعارا موسميا.

لسنا أمام معركة مع مطعم.. بل أمام حق في غذاء آمن

أكتب عن هذه الواقعة بصفتي صحفيا ومواطنا، وبصفتي فردا من أسرة عاشت هذه التجربة مباشرة.

وأؤكد أن الغاية ليست استباق نتائج أي تحقيق أو إدانة جهة قبل الاستماع إليها، وإنما المطالبة بأن تأخذ الواقعة مسارها الصحيح، وأن تتحرك الجهات المختصة للتحقق مما جرى، اعتمادا على الصورة المتوفرة وعلى المعطيات المتعلقة بالمكان والتوقيت، مع الاستماع إلى الأطراف المعنية.

فإذا كان الخطأ عارضا، فإن التحقيق الجدي كفيل بتحديد أسبابه وتصحيحه. وإذا كشف عن إخلال بشروط السلامة، فإن القانون ينبغي أن يأخذ مجراه.

وإذا ثبت أن الزبائن تعرضوا لسلوك غير مقبول أثناء احتجاجهم، فإن ذلك يستحق بدوره التحقق والمعالجة.

وفي جميع الحالات، لا ينبغي أن يكون المستهلك هو الطرف الذي يدفع ثمن الخلل مرتين: مرة حين يُفاجأ بما في طبقه، ومرة حين يعجز عن الوصول إلى الجهة التي يفترض أن تنصفه.

إن الحق في غذاء سليم ليس امتيازا للأسر الميسورة، ولا خدمة إضافية تقدمها المطاعم العصرية لزبائنها، بل حق أساسي لا ينبغي أن يتوقف على مستوى الأسعار أو شهرة المكان.

كما أن احترام المستهلك لا يبدأ عند تقديم الفاتورة، وإنما منذ اللحظة التي يضع فيها ثقته في المؤسسة ويطمئن إلى أن ما يقدم إليه خاضع لشروط النظافة والسلامة.

ومن هنا، فإن ندائي موجه إلى الجهات المختصة في مراقبة السلامة الصحية للمنتجات الغذائية، وإلى مصالح حماية المستهلك، وإلى كل من يعنيه تدبير هذا الفضاء: تحققوا من الواقعة، وافحصوا شروط السلامة، ووضحوا للمواطنين كيف يمكنهم التبليغ بفعالية، وأجيبوا عن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: إذا وجد المواطن ما يثير الشبهة في طعامه، فمن يضمن أن صوته سيصل، وأن شكايته ستؤخذ على محمل الجد؟

فالدودة التي ظهرت في طبق فطور قد تكون واقعة تستوجب التحقيق في مطعم واحد، لكن تعذر الوصول إلى قنوات التبليغ، إذا تكرر، يتحول إلى مشكلة أوسع تمس الثقة في منظومة الحماية نفسها.

وبين الواقعتين، يبقى المواطن في حاجة إلى ما هو أكثر من الأرقام المنشورة والوعود المعلنة: يحتاج إلى مراقبة يقظة، واستجابة قابلة للقياس، ومحاسبة عند ثبوت الإخلال.

صحة المواطن ليست مجالا للمساومة، وكرامته ليست موضوعا للصراخ، وحماية المستهلك لا ينبغي أن تتوقف عند هاتف لا يجيب.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*