بنكيران : الحلايقي السياسي…


أخر تحديث : الجمعة 14 أكتوبر 2016 - 7:36 صباحًا
بنكيران : الحلايقي السياسي…

بعد انتهاء صراع السابع من أكتوبر 2016، وبعد بروز النتائج النهائية لهذه الاستحقاقات الانتخابية الديمقراطية، والتي افرزت تصدر حزب العدالة والتنمية برئاسة عبد الإله بنكيران بفوزها ب 125 مقعدا برلمانيا، رغم الحصيلة الهزيلة التي حققتها حكومته والقرارات اللاشعبية والقاسية التي اتخذتها في حق المواطنين الكادحين.
فما السر الذي دفع المغاربة إذا إلى اختيار حزب العدالة والتنمية من جديد، ووضع ثقتهم فيه للمرة الثانية؟
الجواب وبدون أي عناء ولا تفكير: لان عبد الإله بنكيران هو الذي يقوده.
نعم، فشخص عبد الإله بنكيران والكاريزما التي يتمتع بها، هي السبب الأول والأخير لاستمالة حزب العدالة والتنمية لأصوات الناخبين المغاربة وخاصة البسطاء منهم، والدليل على ذلك واضح وبسيط، ويتجلى في جهل نسبة كبيرة من الكتلة الناخبة التي صوتت للحزب، حتى لاسم وصفة المرشحين المحليين باسم البيجيدي ولبرنامجهم الوطني أو المحلي، بل أن أكثرهم حينما يسأل لمن صوت؟ يجيب بتلقائية “صوت لإبنكيران”.
فطريقة تواصل بنكيران (السهلة الممتنعة) مع المغاربة، والتي لا يتقنها أي من القيادات الحزبية المنافسة، ومن خلال تكرار مشاهدتي لمختلف تجمعاته الانتخابية، ورصد إيمائاته وتباكئه وكلماته وضحكاته وانتقاداته لخصومه وتفاخره بأتباعه وقفشاته وحركاته…، ذكرتني بفن كنت من اشد المولعين به في مرحلة الصبا، وربما هو حال جل المغاربة من أبناء الشعب الذي يعشقون الثقافة الشفهية، فن “الحلقة”.
فن الحلقة الشعبي عريق القدم في المغرب، والحلقة مكان يحدّه زمن الحكاية، إذ يشرع الناس بالتجمع حول الحلايقي (الحكواتي) ثم يتفرقون عنه بعد سكوته، وكثيراً ما يختار الحلايقي التوقف عن الكلام في مرحلة هامة مـن السرد، ليستأنف حديثه في اليوم التالي. وهكذا دواليك، يوماً بعد يوم حتى ختام الحكاية، بدون أن يفصح عن عدد الأيام المقبلة. في أغلب الأحيان، يكون الحلايقي قروي المنشأ، محدود الثقافـة، ولكنه يمتاز بموهبة عالية في السرد وفي استيعاب الحكايات والروايات القديمة، كثيراً ما يبدأ برواية قصص القدماء والأنبياء، أو بطولات أيام العرب والفتوحات الإسلامية، أو ســيرة بني هال وسيف بن ذي يزن، فيخلط القديم بالأقدم، وقصص ألف ليلة وليلة بحكايا كليلة ودمنة، ومخترعات الخيال ببعض الأحداث الحقيقية. ينسي أسلوبه الجذاب واقع الحضور ويحملهم على السفر في بحر الخيال. يجمع الحلايقي جمهوره في ساحات المدن وفي الأسواق، وأشهرها ساحة جامع الفناء بمراكش، حيث يأتي الناس من كل جانب ويختلط السائح بابن البلد لينصتوا إلى كلام الحلايقي ويتابعوا نظم الحكاية، والتي دائما ما يكون بطل أطوارها ومحورها الأساس شخص “الحلايقي” وطريقة مخاطبته وجذبه للجمهور واستمالة أحاسيسهم وتركيزهم، للظفر في الأخير ببعض الدريهمات من جيوب المتحلقين حوله كدعم وتشجيع له لمواصلة سرد بقية القصة.
هي نفس الإستراتيجية التي ينهجها مريدو القنديل، مع اختلاف في الأهداف والكم والكيف طبعا، حيث يجمعون الحشد من كل حدب وصوب ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ويختارون اكبر الفضاءات والساحات على مستوى المدينة آو الإقليم آو الجهة، ويلجئون إلى كل أساليب الدعاية والإشهار، ويمزجون الأهازيج المحلية بالصوتيات والأناشيد الحزبية، ويستخدمون جيشهم الالكتروني الجرار لمتابعة البث الحي للحدث عبر المواقع الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، ليتم بعد اكتمال المشهد الإعدادي، استقبال “الزعيم” بالتمر والحليب والتهليل والتمجيد، بعدها يأخذ الزعيم الكلمة ليشكر الحشد ويبكي تأثرا لكثافته الدالة على الحب المتبادل والمساندة القوية، بعدها يمسح الدمع وينطلق مباشرة إلى رشق المنافسين السياسيين والاستهزاء بهم وسرد بعض الطرائف والنكت ومدح الأتباع والمناضلين وتعظيم مرشحي الحزب وحسن ونقاء سريرتهم وإعطاء الوعود بمواصلة الإصلاح والتضحية بالنفس والنفيس لخدمة والوطن والمواطنين واستجداء فرصة ثانية لقهر المفسدين والأشباح والتماسيح…، نفس المشاهد تتكرر في كل التجمعات (العرائش، مراكش، الرباط، تارودانت…)، ما يعني أنها ما هي إلا طريقة تواصلية مدروسة ومتقنة، أعطت أكلها بالملموس بحصول الحزب على الصدارة، هذه المرتبة سيدفع لا ريب قريبا ثمنها المواطنون من جيوبهم لاستكمال الإصلاح على الطريقة البنكيرانية، كما يدفع المتحلقون حول “الحلايقي” لاستكمال فصول الرواية.
وجود بنكيران على رأس العدالة والتنمية يعد مكسبا كبيرا للحزب اليوم، لما له من تأثير ايجابي في تنامي شعبية الحزب واتساع رقعة منتسبيه ومناضليه ومسانديه، لكن هذا الحضور القوي للرجل سيكون له لا محالة وقع كبير غدا في إفشاله وتراجعه حال رحيل الزعيم إلى درجة الاندحار كما هو حال مجموعة من الأحزاب التاريخية اليوم التي اقترن اسمها باسم زعيمها، أو في حال عدم وفاء الرجل بوعوده الوردية وخاصة في ضل معارضة تعاظمت أكثر يقودها غريمه الشرس الياس العماري وحزب البام وحلفائه، ليفقد ابنكيران بذلك جاذبيته وكاريزمته كما هو حال فن “الحلقة” الذي فقد جاذبيته وأضحى مهددا بالإندثار.
فهل سيسارع البيجيديون إلى خلق نسخة مماثلة آو أكثر تطورا من بنكيران ليحل مكانه في حال الغياب، آم أن الوضع سيبقى على حاله إلى أن يقضي اللـه أمرا كان مفعولا؟؟؟

محمد ضباش

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

*

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة سياسي: اخبار المغرب والعالم الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.