حين يتكلم الدستور
تحليل علمي… بلغة واضحة
نافذة أسبوعية تواكب المستجدات الدستورية بالمغرب، من اجتهادات وقرارات المحكمة الدستورية، إلى القوانين التنظيمية والنصوص المؤطرة للمؤسسات، قراءةً وتحليلًا وتفكيكًا، بما يربط النص الدستوري بسياقه السياسي والمؤسساتي، ويقرب النقاش الدستوري من القارئ دون إخلال بالدقة العلمية.
يشرف على هذه النافذة د. كمال الهشومي، أستاذ القانون الدستوري وعلم السياسة، وباحث في قضايا الدستور وتحولات الممارسة الدستورية، يجمع بين التحليل الأكاديمي الدقيق والخبرة في قراءة التفاعل بين النص الدستوري والواقع السياسي والمؤسساتي بالمغرب.
المحكمة الدستورية: حين يرسم الاجتهاد حدود النص
ليست المحكمة الدستورية مجرد هيئة تفصل في مطابقة القوانين للدستور، بل فاعلٌ مركزي في إنتاج المعنى الدستوري.
فحين يصمت النص أو يحتمل أكثر من قراءة، يتكلم الاجتهاد، ويرسم حدود التأويل، ويحدد اتجاه الممارسة المؤسساتية.
في هذا السياق، تكتسب قرارات المحكمة الدستورية أهمية تتجاوز القرار في ذاته، لتطال توازن السلط، وضمان الحقوق، واستقرار النظام الدستوري برمّته.
خلال الأسابيع الأخيرة، أثارت بعض قرارات وإحالات المحكمة الدستورية نقاشًا واسعًا، ليس فقط بسبب مضمونها القانوني، بل أيضًا بسبب دلالاتها السياسية والمؤسساتية. وهو نقاش مشروع، لأن الدستور لا يُفهم في فراغ، بل داخل سياق تتقاطع فيه النصوص مع موازين القوى، والمبادئ مع الممارسة.
وهنا يأتي الاختصاص الدقيق للمحكمة الدستورية؛ المتمثل في مراقبة دستورية القوانين، وحماية سمو الدستور.
غير أن النص، بطبيعته، لا يمكن أن يستبق كل الحالات ولا أن يقدّم أجوبة جاهزة لكل الإشكالات. هنا تبدأ منطقة التأويل، حيث يتحول القاضي الدستوري من “قارئ” للنص إلى “مُنتِج” لمعناه.
الاجتهاد الدستوري ليس سلطة مطلقة، بل وظيفة دقيقة محكومة بثلاثة اعتبارات:
احترام روح الدستور ومقاصده،
الحفاظ على التوازن بين السلط دون حلول محلّ المشرّع،
صيانة الحقوق والحريات من أي تأويل مُقيِّد أو توسّعي غير مبرّر.
وأي انزلاق في هذا التوازن قد يحوّل الاجتهاد من ضمانة دستورية إلى مصدر توتر مؤسساتي.
وتكمن خطورة بعض القراءات الدستورية في أنها قد تبدو سليمة نظريًا، لكنها تفتح في التطبيق بابًا لتأويلات إدارية أو سياسية تمسّ جوهر الحقوق أو تعيد ترتيب السلط بشكل غير متوازن.
لذلك، لا يُقاس القرار الدستوري فقط بمنطوقه، بل أيضًا بآثاره المحتملة.
حين يتكلم الدستور، لا يفعل ذلك دائمًا بصوتٍ واحد. فهناك صوت النص، وصوت الاجتهاد، وصوت الممارسة.
والتحدي الحقيقي ليس في إسكات أحد هذه الأصوات، بل في تحقيق الانسجام بينها.
لأن الدستور، في النهاية، ليس وثيقة صامتة، بل عقدٌ حيّ، يُختبر يوميًا بمدى قدرتنا على تأويله دون إفراغه، وتفعيله دون الالتفاف عليه.
