خارج المجلس.. داخل المهنة
أهنئ الزميلات والزملاء الذين حظوا بثقة الصحافيات والصحافيين المهنيين، وأتمنى لهم كامل التوفيق في المسؤولية التي تنتظرهم داخل المجلس الوطني للصحافة.
وأشكر كل الزميلات والزملاء الذين شاركوا في هذا الاستحقاق، وخاصة من تحملوا عناء الانتظار لساعات من أجل الإدلاء بأصواتهم، في ظروف تنظيمية صعبة شهدتها بعض مكاتب التصويت، ولا سيما في الدار البيضاء.
كما أتوجه بتحية خاصة إلى وكلاء المرشحين وممثليهم، وإلى كل من ظل يتابع العملية إلى ساعات الصباح الأولى في الرباط والدار البيضاء وباقي الجهات والأقاليم. كان يوما طويلا، وما بذلوه من وقت وجهد وتعاون يستحق التقدير.
أما تجربتي، فقد بدأت تقريبا في آخر لحظة.
لم أدخل هذه الانتخابات بحملة معدة منذ أشهر، ولم يكن المقعد غايتها الأولى.
جاء قرار الترشح بعد ما استمعت إليه من زملاء، وبرغبة في إيصال أفكار ومقترحات وتقاسم هواجس مهنية أعتقد أنها تستحق النقاش: رقمنة عدد من الخدمات والإجراءات، والذكاء الاصطناعي، والتكوين المستمر، والمواكبة النفسية للصحافيين، وتطوير النموذج الاقتصادي للمقاولات الصحفية الصغرى وغيرها.
وبسبب انشغالاتي المهنية، لم أقم بتعبئة انتخابية بالمعنى المعتاد، ولم أتواصل بشكل مباشر مع كثير من الزميلات والزملاء.
اقتصر الأمر على رسائل محدودة عبر واتساب هنا وهناك، وبعض التدوينات على فيسبوك.
والمفارقة أن عددا من الزملاء عاتبوني لاحقا لأنني لم أخبرهم بترشحي منذ البداية، ولم أنسق معهم ليساعدوني في التواصل والتعبئة.
كان عتابا أسعدني، لأنه كشف لي أن هناك زملاء كانوا مستعدين للمساندة لو أنني طلبت منهم ذلك.
لم أحصل على المقعد.
لكنني ربحت أشياء كثيرة.
ربحت أولا تجربة الانتخابات المهنية من الداخل.
رأيت كيف تتشكل الاختيارات، وكيف تتحرك وتتغير بعض اللوائح، وكيف تتقاطع العلاقات والقناعات والحسابات. وهي تجربة فتحت عيني على تفاصيل لا يراها المرء بالطريقة نفسها عندما يتابع من الخارج.
وربحت أسبوعين من النقاش والتدافع المهني حول أفكار أعتقد أنها تستحق ألا تنتهي بانتهاء الانتخابات.
اكتشفت، مثلا، أن فكرة المواكبة النفسية للصحافيين لامست عددا من الزملاء، وأن أسئلة الذكاء الاصطناعي ومستقبل الممارسة الصحفية أصبحت انشغالا حقيقيا داخل المهنة.
وحتى ما عشناه يوم الاقتراع من انتظار وازدحام أعاد أمامي سؤال الرقمنة: لماذا لا نفتح مستقبلا نقاشا جديا حول رقمنة ما يمكن رقمنته وتبسيط الإجراءات، بما في ذلك العملية الانتخابية، مع ضمان النزاهة والسرية والمساواة؟
وربحت أيضا توسيع دائرة التعارف والتواصل.
تلقيت اتصالات ورسائل من زملاء عبروا عن دعمهم وتشجيعهم. بعضهم لم تكن تربطني به معرفة مباشرة من قبل، وبعضهم أعادتني مكالمته أو رسالته إلى سنوات بعيدة من العمل الصحفي.
وفي مكتب الدار البيضاء، كان هناك ربح آخر لا يظهر في محاضر النتائج: التقيت زملاء لم أر بعضهم منذ سنوات، واستعدنا شيئا من النوستالجيا المهنية، ومحطات وذكريات جمعتنا في هذه المهنة.
وحتى الأرقام الصغيرة حملت بالنسبة إلي رسائل كبيرة.
أن تجد صوتا لك في الداخلة، وآخر في الرشيدية، رغم أنك لم تتواصل هناك ولم تقم بأي تعبئة، يجعلك تدرك أن الأفكار أحيانا تسافر أبعد من أصحابها.
وخرجت من التجربة أيضا بشيء أعتز به: مئة زميلة وزميل اختاروا أن يمنحوني أصواتهم، رغم دخولي المتأخر وغياب تعبئة انتخابية منظمة.
هؤلاء بالنسبة إلي ليسوا مجرد أرقام في محضر النتائج. إنهم مئة صحافي وصحافية وجدوا في شخصي أو في بعض الأفكار التي حملتها ما يستحق ثقتهم.
وهذه الثقة مسؤولية سأبني عليها ما سيأتي.
لكن أهم درس خرجت به هو أن البناء يحتاج إلى سنوات في الميدان.
الثقة والحضور والعلاقات والتأثير لا تصنعها حملة من أسبوعين. إنها تراكم يتشكل سنة بعد أخرى، بالعمل والتواصل والمبادرات والحضور إلى جانب الزملاء.
ولو عاد بي الزمن إلى لحظة إيداع ترشيحي، وأنا أعرف النتيجة مسبقا، كنت سأترشح مرة أخرى.
لأن المقعد لم يكن منذ البداية الهدف الوحيد. كنت أريد أن أخوض التجربة، وأن أضع أفكارا في التداول، وأن أتقاسم هواجس مهنية مع زملائي، وأن أرى الانتخابات المهنية من الداخل، وأن أوسع دائرة التواصل والتعريف بما أحمله من أفكار.
أما الآن، فقد انتهت المنافسة وبدأت مسؤولية المجلس الجديد.
خلال هذه الأيام، قدم المرشحون أفكارا ومقترحات كثيرة تستحق ألا تطوى مع ملصقات الحملة. أتمنى أن يجد الجيد منها طريقه إلى المجلس، بصرف النظر عمن اقترحه، فالفكرة التي تخدم الصحافة لا ينبغي أن تكون لها هوية انتخابية.
ومن جهتي، أضع الأفكار والمقترحات التي طرحتها خلال الحملة رهن إشارة المجلس الجديد. وإذا وجد فيها الزملاء ما يستحق التطوير والعمل، فسأسعد بأن تجد طريقها إلى التنفيذ، وبالمساهمة بخبرتي في أي مبادرة مهنية جادة تخدم الصحافيين ومستقبل المهنة.
وكما قلت خلال الحملة، لم يكن السؤال بالنسبة إلي فقط: من سيصل؟ بل ماذا سيفعل من يصل؟
أتمنى للزميلات والزملاء المنتخبين النجاح. نريد أن يستمر الإنصات بعد الانتخابات، وأن يتحول النقاش إلى مبادرات، وأن يبقى المجلس مفتوحا أمام جميع المهنيين، بمن فيهم من اختلف مع أعضائه أو لم يصوت لهم.
وسنكون إلى جانب كل خطوة جادة تخدم الصحافيين والمهنة، وسنواصل في الوقت نفسه طرح الأسئلة والمقترحات ومتابعة ما يتحقق، بعيدا عن الاصطفاف والخصومة.
فالمجلس الوطني للصحافة مؤسسة للمهنة كلها، ونجاحه في أداء مهمته سيكون مكسبا لجميع الصحافيات والصحافيين.
أما أنا، فسأواصل من موقعي، عبر «صحافتنا الرقمية» ومن خلال فضاءات ومبادرات مهنية أخرى، فتح النقاش، وتقاسم المعرفة، والاستماع إلى الزملاء والمساهمة بما أستطيع.
خارج المجلس، نعم.. لكن داخل المهنة، كما كنت دائما.
والعمل مستمر.
نورالدين البيار

