بين فائض التمثيل وعجز المشاركة: حين تتسع السياسة ويضيق المجال العام
بقلم: نادية واكرار
من أبرز مخرجات الانتخابات التشريعية بروز العزوف عن المشاركة السياسية، ولا سيما في صفوف الشباب، وهي ظاهرة لا ينبغي اختزالها في اللامبالاة أو في غياب الاهتمام بالشأن العام. فحين يبتعد جيل كامل، أو جزء واسع منه، عن صناديق الاقتراع، فإن السؤال لا ينبغي أن يتجه فقط إلى المواطن: لماذا لم يشارك؟ بل إلى السياسة نفسها: لماذا لم تعد قادرة على إقناعه بأن مشاركته يمكن أن تصنع فارقا؟
إن ضعف الحضور الشبابي يطرح، قبل كل شيء، سؤالا حول قدرة الأحزاب السياسية على التجدد، وعلى التعبئة، وعلى إنتاج نخب جديدة، وعلى تحويل الشباب من كتلة انتخابية موسمية إلى قوة سياسية حقيقية تشارك في التفكير والاقتراح وصناعة القرار.
فالشباب ليسوا بالضرورة غافلين عن مستقبلهم، ولا منفصلين عن واقعهم السياسي؛ وربما يكون العكس أقرب إلى الحقيقة.
إن العزوف قد يكون، في بعض وجوهه، تعبيرا عن وعي نقدي، وعن مسافة متعمدة من عرض سياسي لم يعد يجد فيه جزء من هذا الجيل ما يكفي من المعنى أو الثقة أو القدرة على التغيير.
وبموازاة هذا الانسحاب من المجال الانتخابي، تكشف النتائج عن مشهد سياسي شديد التعدد، حيث تتوزع المقاعد بين عدد كبير من القوى السياسية. وهذه التعددية، في حد ذاتها، ليست إشكالا؛ بل يمكن أن تكون تعبيرا عن تعدد الأصوات والمصالح داخل المجتمع.
غير أن المفارقة تبدأ حين يتسع التمثيل داخل المؤسسة، بينما يضيق الانخراط خارجها.
عندها يصبح السؤال أكثر عمقا: هل نحن أمام تعددية سياسية حقيقية، أم أمام فائض في التمثيل يقابله نقص في المشاركة؟
فالتعدد الحزبي لا يصبح ديمقراطية مكتملة بمجرد تعدد الألوان داخل البرلمان، كما أن تشكيل أغلبية لا يعني بالضرورة استعادة الثقة في السياسة.
القيمة الحقيقية لأي هندسة سياسية لا تقاس فقط بقدرتها على جمع المقاعد، وإنما بقدرتها على تحويل الاختلاف إلى نقاش، والتعدد إلى قرار، والتمثيل إلى سياسات عمومية، والمؤسسات إلى فضاء يشعر فيه المواطن بأن صوته لا ينتهي بمجرد وضع ورقة في صندوق الاقتراع.
ومن هنا تبرز إحدى أكبر مفارقات المرحلة المقبلة: كلما اتسعت الخريطة السياسية داخل المؤسسات، وجب أن يتسع معها المجال السياسي خارجها.
أما إذا حدث العكس، فقد نجد أنفسنا أمام مؤسسات أكثر تنوعا في تركيبها، لكن أمام مجتمع أكثر ابتعادا عنها.
وفي هذه الحالة يصبح السؤال حول الحكومة المقبلة أكبر من سؤال تشكيلها؛ إنه سؤال مشروعيتها السياسية والاجتماعية وقدرتها على إعادة وصل ما انقطع بين المؤسسات وجزء من المجتمع، خصوصا الشباب.
إن اختزال هذا المشهد في فكرة أن الحكومة المقبلة قد تكون مجرد آلية لامتصاص الغضب الشبابي سيكون حكما سابقا لأوانه، لكن مجرد إمكانية نشوء مثل هذا التصور لدى الشباب تكفي لكي تجعل المرحلة المقبلة أمام امتحان حقيقي.
فالشباب لا يحتاجون إلى أن يجدوا أنفسهم ممثلين رمزيا فحسب، وإنما يحتاجون إلى أن يروا أثرا فعليا لمشاركتهم، وأن يشعروا بأن السياسة ليست فضاء مغلقا تتغير داخله الوجوه والتحالفات، بينما تظل علاقتهم بها على حالها.
لهذا، فإن الرسالة الأهم التي حملتها الانتخابات ليست فقط في توزيع المقاعد ولا في شكل الأغلبية التي ستتبلور، وإنما في المسافة التي كشفت عنها بين المؤسسة والمجتمع.
هناك سياسة تتسع داخل البرلمان، ومجتمع، أو جزء منه، ينسحب من السياسة خارجه. وبين الاثنين توجد فجوة لا يمكن ملؤها بالخطاب الانتخابي وحده.
ربما يكون التحدي الحقيقي للمرحلة القادمة هو الانتقال من سياسة تمثّل المجتمع إلى سياسة تشرك المجتمع؛ من تعددية الألوان إلى تعددية الأصوات؛ ومن استدعاء الشباب إلى إعدادهم للمشاركة؛ ومن إدارة الغضب إلى فهم أسبابه. فالمشكلة ليست أن الشباب غابوا عن السياسة، بقدر ما ينبغي أن نسأل: أي سياسة جعلت حضورهم يبدو لهم أقل جدوى من غيابهم؟
