الاتحاد الاشتراكي… حان وقت الاختيار
كتبها: عبد الرفيع حمضي
قبل نحو عشرين سنة، كان لي صديق، ولا يزال، ينتمي إلى أحد الأحزاب التي كانت توصف يومها بـ«الإدارية».
ولسبب ما غادره والتحق بحزب من أحزاب الحركة الوطنية. قضى هناك قرابة سنة، ثم أخبرني ذات يوم أنه قرر العودة إلى حزبه الأول.
سألته: ولماذا؟
قال لي، بما معناه: «هناك، على الأقل، أعرف ماذا يريدون مني: ما إمكانياتك؟ من معك؟ وكم صوتا تستطيع أن تأتي به؟ وينتهي النقاش.
أما هنا، فمرة يحدثونني عن التاريخ والشهداء والمبادئ، ومرة عن المقاعد وضرورة الفوز، ومرة ينتقدون أصحاب المال، ثم يبحثون عنهم عند الانتخابات.
بصراحة، لم أعد أعرف ماذا يريدون مني».
تذكرت هذه الحكاية وأنا أتابع ما كتب وقيل، منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات، عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
مقالات ورسائل مفتوحة، وأصوات تطالب بالمحاسبة، وأخرى بالاستقالة، وتحميل “للقيادة” مسؤولية التراجع.
وفي تقديري، فإن هذا الاهتمام، مهما كانت قسوته، يحمل خبرا جيدا للاتحاد: ما زال هذا الحزب يعني شيئا للمغاربة، رغم أنه حل سادسا.
فما يقع داخله لا يزال يهم مثقفين وفاعلين وطبقة وسطى وفئات شعبية، بل حتى مواطنين لم يعودوا يصوتون له. وتلك بقية من شرعية اجتماعية وتاريخية لا تمنحها صناديق الاقتراع وحدها.
أكتب هذا وأنا من جيل تربى سياسيا داخل الاتحاد الاشتراكي.
صحيح أنني لم أعد ناشطا فيه، لكن المسافة التنظيمية لا تلغي الذاكرة ولا تمنع السؤال.
وفي تقديري، يمكن تفسير النتيجة بعوامل كثيرة: ضبابية الخط السياسي، وعطب الآلة التنظيمية، وطبيعة القيادة، والأداء البرلماني، والموقف من قضايا المجتمع، والتحالفات، وتدبير الترشيحات، وتراجع الصلة بفئات كانت تاريخيا قريبة من الحزب.
لكن اختزال كل ذلك في شخص واحد، مهما كانت مسؤوليته، فهو تبسيط للأمور ويعفينا من مواجهة سؤال أعمق.
أسميه: التردد.
كان الاتحاد، تاريخيا، حزبا يمكن الاختلاف معه، لكن كان من الصعب ألا تعرف أين يقف.
له تصور للنظام السياسي والإصلاح الديمقراطي، ومواقف من حقوق الإنسان والحريات، ومن المسألة الاجتماعية والحركة النقابية والاحتجاجات الاجتماعية، ومن القضية الوطنية والقضية الفلسطينية.
لم تكن مواقفه دائما صائبة ولا محل إجماع، لكنها كانت واضحة.
ومع الزمن، بدأ منطق آخر يتقدم، خصوصا عند الانتخابات: فإذا كانت السياسة أرقاما ومقاعد، فلماذا لا نفتح الباب لكل من يستطيع الفوز؟
وهنا تبدأ الأسئلة المحرجة.
ماذا يعني «يستطيع الفوز»؟ هل تعني الكفاءة والحضور الاجتماعي والمصداقية؟ أم القدرة المالية أيضا؟ وإذا كان مرشح مستعدا لإنفاق أموال طائلة من أجل مقعد برلماني، فمن حق السياسة أن تسأل: من أين جاء هذا المال؟ ولماذا ينفقه؟ ولماذا يخسر شخص الملايين من أجل مقعد محدود المدة والتعويض؟ وماذا ينتظر في المقابل؟
هذه ليست أسئلة أخلاقية فقط؛ إنها أسئلة سياسية.
وهنا أتذكر مقولة عبد الرحيم بوعبيد الشهيرة: «المقاعد لا تهمنا».
لم يكن الرجل يحتقر الانتخابات ولا المقاعد؛ فقد اختار الاتحاد معه استراتيجية النضال الديمقراطي والمشاركة من داخل المؤسسات.
كانت العبارة، في سياقها، تعني شيئا آخر: ليست كل المقاعد متساوية.
هناك مقعد يأتي من ثقة الناخب، وآخر تحيط به الشبهة والمال والنفوذ.
المشكلة أن المسافة أصبحت كبيرة بين منطق «المقاعد لا تهمنا بأي ثمن» ومنطق «المهم هو عدد المقاعد».
وبينهما وقف الاتحاد مترددا.
لم يغلق الباب ليقول: هؤلاء مناضلونا وكفاءاتنا، بهم نخوض المعركة ونقبل نتيجتها.
ولم يفتحه تماما ليصبح آلة انتخابية لا تسأل القادم إليها من أين جاء ولا لماذا جاء.
فرشح اتحاديين حقيقيين، وفي الوقت نفسه فتح الباب أمام أسماء لا يجمعها بتاريخ الاتحاد ولا بثقافته السياسية سوى بطاقة الترشيح، فانخرط بعضها في الممارسات الانتخابية نفسها التي طالما انتقدها الاتحاد لدى الآخرين، بل وتجاوزها في بعض المناطق.
فلم يربح صفاء الاختيار الأول، ولم يحقق نجاعة الاختيار الثاني.
وهنا، في نظري، توجد المشكلة.
فالأشخاص يرحلون، لكن السؤال سيبقى بعدهم: أي اتحاد نريد؟
حزبا له هوية واضحة، قد يدفع أحيانا ثمنها في الصندوق لكنه يبني بها مستقبله؟ أم حزبا انتخابيا همه الأول عدد المقاعد، وعندها عليه أن يقبل بمنطق هذا الاختيار وتبعاته؟
كلاهما اختيار يمكن مناقشته.
أما أن نريد الاثنين معا، فذلك ليس اختيارا.
إنه التردد.
وبين ما يقال وما لا يقال، فإن تغيير الأشخاص قد يكون أسهل بكثير من إعادة بناء التنظيم واستعادة الصلة بالفئات التي ابتعدت عن الحزب.
والأصعب من كل ذلك حسم السؤال الذي يؤجل منذ سنوات:
هل يريد الاتحاد أن يربح المقاعد بأي ثمن، أم يريد أن يربح نفسه أولا؟
