هندسة المشهد البرلماني الجديد وسؤال التمكين: قراءة تحليلية في مخرجات اقتراع 23 شتنبر 2026
سياسي / رشيد لمسلم
أسدل الستار على محطة الانتخابات التشريعية لتجديد أعضاء مجلس النواب، لتفرز خريطة سياسية ومؤسساتية متجددة تعكس نبض التوازنات الحزبية الراهنة في البلاد. وإذا كانت صناديق الاقتراع قد أسفرت عن تصدر قوى سياسية بارزة لسباق المقاعد في ظل نسب مشاركة تعكس طبيعة ضعف الإقبال الشعبي، فإن النقاش العميق يظل متوجها نحو ديناميات التمثيلية السياسية، ولا سيما موقع المرأة المغربية ومدى قدرتها على تجاوز عتبات التمكين الكمي نحو مواقع الريادة الفعلية مقارنة بالاستحقاقات السابقة.
1. قراءة في توازنات المشهد البرلماني الجديد :
أفرزت محطة الاستحقاقات التشريعية مشهدا حزبيا متحركا تتوزع فيه المراكز القيادية وفق ديناميات تنافسية دقيقة؛ حيث تصدرت المشهد تشكيلات سياسية وازنة حازت على حصة الأسد من مقاعد المؤسسة التشريعية، تلتها تباعا أحزاب أخرى متباينة الأوزان والتمثيلية.
هذا التوزيع يعكس استمرار استقطاب الخريطة الحزبية المغربية لكتل ناخبة متباينة، غير أن القراءة الموضوعية للمخاض الانتخابي تستوجب الغوص خلف الأرقام المجردة لاختبار مدى عمق التحولات البنيوية في الهياكل التمثيلية.
2. الحضور النسائي بين طموح الصدارة واستقرار الهياكل:
على مستوى الحضور الكمي، سجلت المحطة الانتخابية الأخيرة حيوية تنظيمية واضحة تمثلت في ارتفاع حجم الترشيحات النسائية وإقبال الأحزاب على إشراك العنصر النسوي في مختلف الدوائر.
محافظة على المكتسبات لا على الصدارة المطلقة، إذ بالرغم من هذا الزخم، تؤكد قراءة النتائج أن المرأة لم “تتصدر” المشهد الانتخابي كقوة سياسية قيادية أولى بمفهوم اكتساح مراكز القرار العليا أو قيادة المجالس الكبرى بمعزل عن القواعد المؤطرة مسبقا.
رهان “الكوتا” والدوائر الجهوية: يظل الحضور المؤسساتي النسائي داخل قبة البرلمان مرتبطا بشكل أساسي بالآليات الداعمة والدوائر الجهوية المخصصة حصريا للنساء، والتي تضمن الحد الأدنى المستقر للتمثيلية بمعزل عن تقلبات التنافس الميداني المباشر.
محدودية التنافس المحلي: بالرغم من تعدد الترشيحات النسائية على رأس بعض اللوائح المحلية، إلا أن التنافس المباشر في الدوائر الفردية ما زال يصطدم بإكراهات بنيوية وثقافية واجتماعية تحصر اختراق النساء خارج آليات التمييز الإيجابي في مستويات محدودة.
3. معوقات التمكين الفعلي:
من التمثيل الرقمي إلى الفعل الاستراتيجي: إن الإشكال الجوهري لا يكمن في الأرقام المطلقة للنائبات بقدر ما يتعلق بطبيعة الأدوار المنوطة بهن داخل النسق السياسي.
ويمكن إيجاز أبرز التحديات في الآتي:
الاختيارات الحزبية: ما زالت تزكية النساء في الدوائر المحلية القوية والتنافسية تعاني من الاحتشام مقارنة بالحظوظ الممنوحة للعنصر الذكوري في مراكز القيادة الحزبية.
ثقافة التصويت المجتمعي: تلعب شبكات النفوذ التقليدي والقبلي والمحلي دورا محوريا في توجيه الكتلة الناخبة، مما يجعل تفكيك هذه المنظومة لصالح الكفاءات النسائية مسارا بطيئا يتطلب تراكمات توعوية وثقافية طويلة الأمد.
خلاصات وأفق مستقبلي:
خلاصة القول، إن المشهد البرلماني الجديد يعكس استمرارا لوتيرة الحضور المؤسساتي النسائي دون تسجيل طفرة نوعية ترتقي بالمجلس إلى مصاف المناصفة الفعلية.
وإن كانت الآليات القانونية والدستورية قد حصنت الحد الأدنى للتمثيلية ومنعت أي تراجع محتمل، فإن الرهان الحقيقي يظل معقودا على إرادة حزبية حقيقية لكسر الحواجز البنيوية، وتمكين الكفاءات النسائية من قيادة الفعل السياسي الميداني خارج أسوار التمكين الممنوح.
تُظهر مقارنة أرقام التمثيلية النسائية في انتخابات مجلس النواب المغربي بين اقتراع 8 شتنبر 2021 واقتراع 23 شتنبر 2026 طبيعة الحضور النسوي ومستويات تطوره كميا وهيكليا عبر الجداول والإحصاءات الآتية:
جدول مقارن
مؤشرات التمثيلية السياسية الانتخابات التشريعية 2021 الانتخابات التشريعية 2026
إجمالي عدد مقاعد البرلمان 395 مقعداً 395مقعداً
المقاعد المخصصة حصريا للنساء ( الدوائر الجهوية) 90 مقعدا 90مقعداً
إجمالي عدد المترشحات تجاوزت 2,100 مرشحة نحو 2,659 مرشحة
نسبة الترشيحات النسائية الإجمالية تقارب 25% تقارب 37%
عدد النساء الفائزات عبر الدوائر المحلية (التنافس المباشر) 6 نساء أعداد محتشمة ومتقاربة
العدد الإجمالي للنساء في قبة البرلمان 96 امرأة (ما يمثل نحو 24.3% ) حوالي 96 إلى 100 امرأة (حيث ضمنت 90 امرأة مقاعدهن مسبقاًعبر الدوائر الجهوية في انتظار الاستكمال النهائي للنتائج المحلية).
دلالات الأرقام ومؤشرات المقارنة؛الاستقرار الرقمي المحكوم بالآليات القانونية:
تكشف الأرقام المذكورة عن وجود تطور ملفت في حجم الترشيحات والتعبئة الحزبية (التي انتقلت من نسبة 25 بالمائة تقريبا في 2021 إلى نحو 37 بالمائة في 2026)، إلا أن هذا الصعود التنظيمي لم ينعكس على شكل قفزة كبرى في عدد المقاعد المحصل عليها؛ حيث يظل سقف الحضور محكوما بشكل أساسي بالـ 90 مقعدا الجهوية المخصصة كحد أدنى، وهو ما يعكس استقرارا هيكليا في حصيلة النائبات اللواتي يصلن إلى البرلمان بمعدل يقارب 24 بالمائة من إجمالي مقاعد المؤسسة التشريعية في المحطتين معا.
التحدي المستمر في الدوائر المحلية:
تؤكد الأرقام المسجلة في الاستحقاقين معا أن التنافس المباشر (الدوائر المحلية الفردية) يظل العقبة الصعبة أمام حضور أوسع للمرأة، إذ تظل الغالبية الساحقة من المقاعد النسائية البرلمانية محصورة في آلية التمييز الإيجابي (الدوائر الجهوية)، في وقت تبقى فيه الفائزات عبر التنافس الميداني المباشر بأعداد قليلة نسبيا لا تتناسب مع الحجم الكمي للملفات الترشيحية النسائية المقدمة.
