حين تستعيد الأمكنة ذاكرتها… الثقافة جسراً بين الماضي والمستقبل
قراءة في تجربة الشيخة مي بنت محمد آل خليفة خلال ندوة «حديث المكتبة» بالرياض
د. علياء العزي
في لقاء ثقافي احتضنته مكتبة الملك فهد الوطنية بالرياض، ضمن سلسلة «حديث المكتبة»، يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، استعرضت معالي الشيخة مي بنت محمد آل خليفة، مؤسسة ورئيسة مجلس أمناء مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث بمملكة البحرين، تجربتها في صون التراث المعماري وإحياء ذاكرة المكان، خلال جلسة بعنوان “الثقافة وذاكرة المكان… حكايات وتقاطعات.”
وقد شكلت الجلسة الحوارية مناسبة لاستحضار هذه التجربة ومناقشة أبعادها الفكرية والثقافية، اذ سلّط الضوء في اللقاء على تجربة ثقافية انطلقت من الاهتمام بالتاريخ والوثائق والمخطوطات، لتتحول إلى مشروع لإحياء البيوت التاريخية بمدينة المحرق البحرينية.
وكان تأسيس مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث سنة 2002 محطة بارزة في هذا المسار، إذ أعاد إلى عدد من المباني القديمة حضورها الثقافي، وجعل منها فضاءات تستقبل الأدباء والفنانين والباحثين.
ولعل ما يميز هذه التجربة أنها لم تكتفِ بترميم المباني والمحافظة على واجهاتها، بل سعت إلى استعادة روح المكان وعلاقته بالإنسان.
فالتراث، كما يتضح من تجربة الشيخة مي، لا تقتصر قيمته على ما يحمله من جمال معماري، وإنما تمتد إلى الحكايات والذكريات والعلاقات الاجتماعية التي نشأت بين جدرانه.
وتوقفت الندوة عند أهمية إشراك المجتمع في حماية تراثه، وتشجيع المبادرات الثقافية والشراكات التي تضمن استمرارية مشروعات الترميم والإحياء. كما برزت الدعوة إلى إنشاء صندوق عربي لحماية الآثار والمواقع التاريخية المهددة، تأكيداً للحاجة إلى تعاون عربي أوسع في صون هذا الإرث المشترك.
وتفتح هذه التجربة مجالاً للتأمل في الدور الذي يمكن أن تؤديه الثقافة في التنمية والتربية على الهوية، خاصة حين تتحول البيوت التاريخية إلى متاحف ومكتبات وفضاءات للفنون، تتيح للأجيال الجديدة التعرف على تاريخها والتفاعل معه. فالحفاظ على التراث لا يعني إبقاء الماضي على حاله، بل منحه فرصة للحضور في حياتنا المعاصرة.
فمن المحرق إلى الرياض، ومن العلا والدرعية إلى المدن العتيقة في المغرب وتونس والقاهرة ودمشق وبغداد، تتعدد التجارب والخصوصيات، لكن التحدي يظل متشابهاً: كيف نحافظ على روح المكان في ظل التحولات المتسارعة؟
إن قراءة هذه التجارب في إطار عربي مقارن يمكن أن تفتح المجال لتبادل الخبرات في مجالات الترميم وإدارة المواقع التراثية وإعادة توظيف المباني التاريخية.
كما يمكن أن تسهم في تطوير تصور عربي للتنمية الثقافية يوازن بين حماية الهوية وتشجيع الإبداع، وبين العائد الاقتصادي والقيمة الإنسانية للتراث.
ولعل أهمية هذه المقاربة تكمن في أنها تنظر إلى الثقافة بوصفها مجالاً حيوياً لبناء المستقبل، وليس مجرد نشاط موازٍ للتنمية.
فالتراث الذي يتحول إلى مصدر للمعرفة والفن والحوار يصبح أكثر قدرة على الاستمرار والتجدد.




