كتبها: فيصل العراقي
التبليغ عن الفساد في المغرب: إشكالية الحماية وحدود الحكامة
كلما استعملت وسائل النقل العمومي في الولايات المتحدة الأمريكية، استوقفتني عبارة تتردد باستمرار في القطارات ومحطات المترو: «If You See Something, Say Something»، أي «إذا رأيت شيئًا مريباً، فأبلغ عنه».
قد يبدو الأمر مجرد رسالة مرتبطة بالأمن والسلامة العامة، لكنه يعكس تصورًا معينًا للعلاقة بين المواطن والمؤسسات، يقوم على تشجيع الفرد على الإبلاغ عما قد يهدد المصلحة العامة، مع وجود آليات مؤسساتية لتلقي البلاغات والتعامل معها.
وأنا أستحضر هذه العبارة، أتساءل عن وضع التبليغ عن الفساد في المغرب، وعن المسافة التي ما زالت تفصل بين الخطاب الرسمي حول الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وبين واقع الممارسة داخل بعض المؤسسات.
فالمغرب لا يعاني من فراغ تشريعي مطلق في هذا المجال. هناك مقتضيات قانونية لحماية المبلّغين، وهناك مؤسسات وآليات لمحاربة الفساد. لكن الإشكال، في تقديري، يتجاوز وجود النصوص إلى مدى فعاليتها، وإلى قدرة المبلّغ على ممارسة حقه دون أن يخشى على مستقبله المهني أو وضعه الاجتماعي.
أقول هذا لأنني أعرف شخصيًا حالات لأشخاص اختاروا التبليغ عما اعتبروه ممارسات فساد داخل مؤسساتهم. بعضهم وجد نفسه، وفق ما عايشه وروى لي، أمام صراعات إدارية وتضييقات انتهت بفقدان عمله.
وكان مقتنعًا بأن ما تعرض له لم يكن بسبب إخلال بواجباته المهنية، وإنما لأنه خرج عن منظومة اعتادت التعايش مع بعض الاختلالات.
هذه التجارب، وإن كانت لا تسمح بالتعميم، تطرح إشكالًا حقيقيًا يتعلق بموقع المبلّغ داخل المؤسسة، وبمدى استقلالية الآليات المكلفة بالتحقيق في الوقائع التي يكشف عنها.
وفي السياق نفسه، تستوقفني قضية البروفيسور رشيد شرقاب، المعروف بـ«طبيب الفقراء». وبعيدًا عن تفاصيل المتابعة القضائية، التي تبقى من اختصاص القضاء، فإن القضية تثير تساؤلات مشروعة حول مآل الشكايات التي قيل إنه تقدم بها بشأن اختلالات في القطاع الصحي، وحول الكيفية التي تتعامل بها المؤسسات مع الأصوات التي تثير مثل هذه القضايا.
لا يتعلق الأمر بالدفاع عن شخص ضد آخر، ولا باعتبار كل من يبلّغ عن اختلالات بمنأى عن المساءلة القانونية.
المسألة أعمق من ذلك، وتتعلق بضرورة الفصل بين حق المؤسسة في مساءلة العاملين بها، وواجبها في التحقيق في البلاغات وحماية أصحابها من أي إجراء انتقامي قد يرتبط بتبليغهم.
في أدبيات الحكامة، لا يُنظر إلى التبليغ عن الفساد باعتباره مجرد سلوك أخلاقي فردي، بل باعتباره إحدى آليات الرقابة والوقاية من الاختلالات.
ولذلك، فإن فعاليته ترتبط أساسًا بدرجة الثقة في المؤسسات، وبوجود ضمانات قانونية وإجرائية يمكن للمبلّغ أن يلمس أثرها في الواقع.
ما أخشاه هو أن تؤدي بعض التجارب السلبية إلى ترسيخ قناعة غير معلنة داخل الإدارة المغربية مفادها: «لا تُبلّغ لكي تنجو».
وإذا ترسخت هذه القناعة، فإننا سنكون أمام مشكلة تتجاوز الحالات الفردية، لأنها تمس إحدى الركائز الأساسية للحكامة، وهي قدرة المؤسسة على اكتشاف اختلالاتها وتصحيحها من الداخل.
لهذا أعتقد أن النقاش حول حماية المبلّغين في المغرب يحتاج إلى الانتقال من مستوى المبادئ العامة إلى تقييم فعلي للضمانات المتاحة، ومدى استقلالية مساطر التبليغ والتحقيق، وإمكانية مساءلة كل من يثبت استعماله للسلطة الإدارية في التضييق على المبلّغين.
فلا معنى لأن نطلب من المواطن المساهمة في محاربة الفساد، إذا لم نكن قادرين على توفير الشروط التي تسمح له بذلك دون خوف.
وربما يكون السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم، ونحن نتحدث كثيرًا عن إصلاح الإدارة وتخليق الحياة العامة، ليس لماذا لا يبلّغ الناس عن الفساد، وإنما لماذا قد يجد بعض من اختاروا التبليغ أنفسهم في وضع يدفع الآخرين إلى تفضيل الصمت؟
