لولا داسيلفا أو طائر الفينيق

لولا داسيلفا أو طائر الفينيق 

بقلم: عادل بن حمزة

“دعمي للولا ليس انتماء.

بل هو دعمي للبرازيل التي أحلم أن تكون للجميع، شاملة، كريمة، بدون جوع وبدون بؤس، مع تعليم وصحة جيدين وتنمية مستدامة.”

 

بهذه التغريدة أعلنت السيناتور سيمون ثابت ذات الأصول اللبنانية التي جاءت في المرتبة الثالثة في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية البرازيلية بخمسة ملايين صوت، عن دعم لولا داسيلفا في مواجهته الحاسمة نهاية تشرين الأول/ أكتوبر الجاري مع الرئيس اليميني الحالي خافيير بولسونارو. 

 

يعود الرئيس البرازيلي الأسبق إلى قمة المشهد السياسي في بلاده بعد سنوات من المحاكمات والسجن في حملة انتخابية طويلة انطلقت منذ 18 غشت الماضي، يعود داسيلفا كطائر الفينيق في الميثولوجيا الإغريقية مرشحا فوق العادة للعودة إلى رئاسة البلاد. في نهاية أبريل من السنة الماضية أطلق سراح أيقونة اليسار البرازيلي، إطلاق السراح جاء ضمن تعديلات قانونية استفاد منها حوالي 5 آلاف سجين، من بينهم داسيلفا الذي حوكم بتهم فساد، لكن لجنة أممية لحقوق الإنسان خلصت هذه السنة في تقرير لها إلى أن محاكمة الرئيس البرازيلي الأسبق، لويس لولا دا سيلفا، انتهكت حقه في محاكمة عادلة، وحقه في الخصوصية وحقوقه السياسية. فمن يكون هذا القائد الذي أعاد الإعتبار للسياسة في بلاده واستطاع أن يواجه الأطماع الأمريكية التقليدية في أمريكا اللاتينية ويجعل من البرازيل قوة اقتصادية وعلمية صاعدة؟

 

من ماسح أحذية في شوارع ساو باولو إلى رئيس نقابة عمال الحديد ثم إلى رئيس لثامن قوة إقتصادية في العالم، إنه الأسطورة لولا داسيلفا زعيم حزب العمال البرازيلي الذي قاد البلاد من 2003 إلى 2010، عرف داسيلفا بإصراره الكبير، بداية من هزمه لظروف الفقر التي عاش في ظلها ضمن أسرة تخلى فيها الأب عن مسؤوليته فكانت الأم هي السند الوحيد، إلى مختلف المعارك التي خاضها في حياته السياسية والنقابية، يكفي أن “لولا” قبل أن يصبح رئيسا للبرازيل، سبق وأن خسر معركة الرئاسة ثلاث مرات سنوات 1989 و 1994 و 1998، لكن في كل إنتخابات ورغم الخسارة، كان حزب العمال يعزز موقعه بثبات في المعارضة إلى حين إكتساح الرئاسة بأزيد من 60 بالمائة من الأصوات.

 

“لولا” واحد من قادة اليسار في أمريكا اللاتينية التي كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعتبرها دائما حديقتها الخلفية، كان وراء تأسيس منتدى ساوباولو لتجمع قادة اليسار في أمريكا اللاتينية بعد انهيار جدار برلين، هذا التجمع الذي سيحول عدد كبيرا من دول المنطقة إلى قلاع لليسار في وقت عرف فيه اليسار تراجعا كبيرا على المستوى العالمي. 

 

تعيش البرازيل منذ سنوات تحت رحمة اليمين المتطرف في محاولة لاستنساخ ظاهرة دونالد ترامب، فالرئيس الحالي بولسونارو جاء إلى سدة السلطة على وقع احتقان سياسي خطير، وقوده أزمة إقتصادية وإجتماعية، وأدواته الحاسمة ملفات جنائية على خلفية إفتضاح ملفات فساد ورشاوى وتبييض أموال مست عملاق قطاع النفط البرازيلي (بتروبراس)، والأخطر من ذلك أنها مست شخصيات سياسية وإقتصادية بارزة، وكان على رأس المتهمين فيها الرئيس السابق للبلاد الزعيم اليساري الظاهرة لولا داسيلفا بشكل يعيد إلى الأذهان أزمة الفساد التي عجلت برحيل الرئيس الأسبق فيرناندو كولور ميلو سنة 1992 والتي كان لولا نفسه واحدا من مؤيدي عزله.

 

البعض رأى في متبعة لُولا قضائيا إستمرارا للتطور الديمقراطي والاقتصادي الذي عرفته البرازيل منذ صعود حزب العمال إلى السلطة بوصول داسيلفا إلى رئاسة البلاد، بينما رأى آخرون في ذلك مجرد مؤامرة تستهدف بالدرجة الأولى حزب العمال الذي إستطاع أن يحافظ على حضوره الانتخابي والسياسي معتمدا على حجم الإنجازات الكبيرة التي تحققت في عهد داسيلفا منذ 2003 خاصة على مستوى تقليص نسبة الفقر والفوارق الطبقية، إذ تغير وجه البرازيل من كونها فقط بلاد كرة القدم ورقصة السامبا، إلى عملاق إقتصادي وتكنلوجي صاعد منذ عودة الجيش إلى الثكنات سنة 1985 في واحدة من تجارب الانتقال الديمقراطي بأمريكا اللاتينية..حيث أصبح الإقتصاد البرازيلي ثامن إقتصاد عالمي وأحد أعمدة دول البريكس (BRICS) التي تضم إلى جانب البرازيل كل من روسيا والصين والهند وجنوب أفريقيا.

 

ديلما روسيف التي خلفت الرئيس “لولا” في رئاسة البرازيل، وصلت إلى رئاسة الجمهورية في ما يشبه التعيين، لأن الأصوات التي تحصلت عليها هي في الواقع تعود للزعيم “لولا” الذي حافظ على نسبة شعبية عالية وهو يغادر السلطة، سعت روسيف حمايته من المتابعة القضائية وذلك بتعيينه رئيسا لديوان الرئاسة، وهو منصب وزاري يمنحه الحصانة، لكن ذلك التعيين تم إبطاله من طرف القضاء، بل إن قاضي التحقيق عمد إلى نشر مكالمة سرية بين “لولا” و”ديلما” حول تفاصيل ذلك التعيين الذي لم يتم.. ما يؤكد أن الموضوع أبعد ما يكون من تحقيق يرتبط بالفساد إلى ما يشبه إنقلابا على تجربة اليسار في البرازيل.

 

تحريف مسار التحقيقات والخروج بالملف عن مساره القضائي، جعل الموضوع مجالا للانقسام في الشارع البرازيلي، في بلد لازال فيه “لولا داسيلفا” يمثل أسطورة تعيد إلى الأذهان ما سبق وأن عرفته فينيزويلا مع الرئيس السابق هوغو تشافيز، بالطبع مع فارق كبير فيما حقق كلا الزعيمين لبلادهما..

إدخال داسيلفا السجن تزامن مع ظروف إقتصادية صعبة خسرت فيها البرازيل دفعة واحدة 4 نقاط في معدل النمو كانت لها عواقب وخيمة على أهم وأكبر قوة في أمريكا اللاتينية، وتزامن خروجه مع انحسار دور اليسار في أمريكا اللاتينية، فهل يستطيع داسيلفا إعادة الحياة لمنتدى ساوباولو وبالتالي بعث الروح في اليسار لمواجهة الهيمنة الأمريكية في المنطقة خاصة بعد العودة الواسعة لليسار في أمريكا اللاتينية؟ وهل ينجح في سابقة من نوعها في العودة إلى كرسي الرئاسة في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية الحاسمة نهاية هذا الشهر بعد أن أضاع ذلك في الجولة الأولى؟ 

 

06.10.2022

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*