«هجرة الطائر» للفنان العراقي صبيح كلش تحط رحالها بالرباط

«هجرة الطائر» للفنان العراقي صبيح كلش تحط رحالها بالرباط

قاعة أكد للثقافة والفنون تحتضن تجربة تشكيلية عراقية تجمع بين الذاكرة والهجرة والهوية

لقاء فني يجمع بين التجربتين الثقافيتين العراقية والمغربية، تحتضن قاعة أكد للثقافة والفنون   AACAD Gallery بالعاصمة الرباط المعرض الشخصي للفنان والأكاديمي العراقي صبيح كلش، تحت عنوان «هجرة الطائر»، وذلك من 10 أكتوبر إلى 5 نونبر 2026. ويضم المعرض 25 عملاً تشكيلياً تقدم جانباً من تجربة فنية امتدت لأكثر من خمسة عقود، استطاع خلالها الفنان أن يطور لغة بصرية خاصة، تستحضر موضوعات الذاكرة والوطن والهجرة والانتماء، مستلهماً رموزاً من بيئته العراقية وموروثها الحضاري والإنساني.

ولعل عنوان المعرض «هجرة الطائر» يحمل مفتاحاً لقراءة هذه التجربة؛ فالطائر هنا ليس مجرد عنصر تشكيلي، بل رمز للإنسان الذي يغادر مكانه الأول، حاملاً معه ذاكرته وحنينه وتجاربه. وفي رحلته بين الأمكنة، يظل الوطن حاضراً في تفاصيل اللوحة، وفي الألوان والرموز التي تستعيد مشاهد من الماضي وتعيد صياغتها بلغة فنية معاصرة.

          تجربة تشكيلية بين الذاكرة والرمز

تتميز أعمال صبيح كلش بتكوينات لونية غنية، تتداخل فيها الأشكال التجريدية مع رموز الطبيعة والحياة، من الطيور والماء والأسماك والمراكب، وصولاً إلى الإشارات المستمدة من التراث العراقي القديم.

وتحضر في عدد من الأعمال ملامح البيئة الجنوبية العراقية، بما تحمله من أنهار و مشاحيف وطيور وامتدادات مائية، لتصبح هذه العناصر جزءاً من خطاب بصري يتجاوز حدود المكان، ويعبر عن العلاقة الإنسانية بين الرحيل والعودة، وبين الذاكرة والتحول.

ولا يتعامل الفنان مع هذه الرموز باعتبارها عناصر زخرفية، وإنما يوظفها ضمن بناء تشكيلي تتفاعل فيه الألوان والخطوط والمساحات، بما يتيح للمتلقي قراءات متعددة للعمل الفني.

ومن خلال هذه المقاربة، تلتقي التجربة الشخصية للفنان بتجربة إنسانية أوسع؛ فالهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل رحلة تتغير خلالها نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى الأمكنة التي عاش فيها.

          صبيح كلش… مسيرة فنية وأكاديمية

يعد الفنان صبيح كلش من الفنانين التشكيليين والأكاديميين العراقيين البارزين، الذين جمعوا بين الممارسة الفنية والبحث الأكاديمي والتدريس الجامعي.

ولد في بغداد سنة 1948، ودرس الفنون الجميلة في العراق قبل أن يواصل تكوينه في فرنسا، حيث حصل على الدكتوراه في تاريخ الفن المعاصر من جامعة السوربون بباريس سنة 1989.

وعلى امتداد مسيرته المهنية، درّس الفنون التشكيلية في عدد من المؤسسات الجامعية بالعراق وليبيا والأردن وسلطنة عُمان، كما أقام معارض شخصية في مدن عربية وأوروبية، من بينها بغداد وباريس وعمّان ومسقط ودبي وتونس.

وقد أسهم هذا التنقل بين البيئات الثقافية المختلفة في إثراء تجربته الفنية، ومنح أعماله بعداً إنسانياً يجمع بين خصوصية الذاكرة العراقية والانفتاح على التجارب التشكيلية المعاصرة.

كما حصل على عدد من الجوائز والتكريمات الفنية، من بينها الجائزة الأولى في مسابقة فنية دولية نظمتها وزارة الثقافة بسلطنة عُمان سنة 2020.

 حفل افتتاح المعرض جمع شخصيات دبلوماسية وثقافية وفنية

شهدت قاعة أكد للثقافة والفنون، يوم السبت 10 أكتوبر 2026، افتتاح المعرض بحضور عدد من الشخصيات الدبلوماسية والثقافية والأكاديمية والفنية، في مناسبة عكست الاهتمام بالتبادل الثقافي والتعرف على تجارب مختلفة.

ومن بين الحاضرين ممثل عن سفارة جمهورية العراق بالرباط، وممثلون عن سفارة سلطنة عُمان، إلى جانب السيدة علياء الدلي، المديرة السابقة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالرباط، وعدد من المهتمين بالشأن الثقافي والفني.

كما تشرفت القاعة بحضور البروفيسور أدهام محمد حنش، المتخصص في المخطوطات والفنون العربية، والدكتور منير زويتن، الأكاديمي والناقد الفني المغربي، والدكتور عبد العاطي الحلو، والفنان المغربي الأستاذ حميدي، إلى جانب الفنان الشاب حمزة إبراهيم، أحد أبناء ورشات أكد،  والناقد السينمائي رضى الاعرجي ومجموعة من الفنانين والمثقفين والباحثين ومحبي الفنون التشكيلية.

وقد شكل هذا الحضور مناسبة للتواصل وتبادل الرؤى حول الفن ودوره في مد جسور الحوار بين الثقافات، والتعريف بالتجارب الإبداعية العربية لدى المتلقي في المغرب.

          برنامج ثقافي يرافق المعرض

لم تقتصر استضافة الفنان صبيح كلش على عرض أعماله التشكيلية، بل رافق المعرض برنامج من الأيام الثقافية والفنية، تضمن محاضرات ولقاءات وورشاً تهدف إلى توسيع النقاش حول الفن التشكيلي وقضاياه الجمالية والفكرية.

وافتتح البرنامج بمحاضرة للفنان الدكتور صبيح كلش بعنوان «هجرة الطائر: من الذاكرة إلى اللوحة» يوم 12 أكتوبر، تناولت العلاقة بين التجربة الشخصية والإبداع الفني، وكيف تتحول الذاكرة إلى صور ورموز وتكوينات تشكيلية.

كما شهد البرنامج لقاءً مع البروفيسور أدهام محمد حنش حول «الخط العربي والفن التشكيلي» إلى جانب محاضرات تناولت الفن التشكيلي المغربي المعاصر»، تلاها محاضرة لـ أ.د. منير الزيتوني بعنوان «الإبداع التشكيلي: فنان صانع تقليدي»، ثم محاضرة للدكتور سعد الجنابي بعنوان «الفن التشكيلي وبناء شخصية الفنان».

كما تتخلل فترة المعرض ورش فنية ومحاضرات موجهة للشباب والمهتمين بتقنيات الرسم والفنون التشكيلية المعاصرة، بما يفتح المجال أمام التفاعل المباشر مع التجربة الفنية وتبادل المعرفة والخبرات والتراث الفني، والإبداع التشكيلي، وتكوين الفنان.

وتعكس هذه الأنشطة حرص القاعة على جعل المعرض مناسبة للحوار وتبادل المعرفة، وليس مجرد فضاء لمشاهدة واقتناء اللوحات، بما يتيح للزوار والطلبة والفنانين الشباب فرصة اللقاء المباشر مع أصحاب التجارب الفنية والأكاديمية.

        قاعة أكد للثقافة والفنون… فضاء للحوار بين الثقافات

تأتي استضافة معرض «هجرة الطائر» في إطار التوجه الثقافي لقاعة أكد للثقافة والفنون، التي تسعى من خلال معارضها وورشاتها ولقاءاتها إلى الانفتاح على تجارب فنية مغربية وعربية ودولية، وتشجيع التواصل بين الفنانين والجمهور.

وتكتسب هذه الاستضافة أهمية خاصة باعتبارها تتيح للجمهور المغربي التعرف عن قرب على التجربة الفنية الرائدة للفنان صبيح كلش، أحد الأسماء البارزة في الفن التشكيلي المعاصر، والاطلاع على مساره الإبداعي وما يحمله من رؤى جمالية وإنسانية.

كما يشكل المعرض مناسبة للقاء رمزي بين المشرق والمغرب، عبر تجربة فنان حمل معه ذاكرة العراق في رحلاته بين بلدان عديدة، ليجد في الرباط محطة جديدة لعرض أعماله والتواصل مع جمهور ينتمي إلى فضاء ثقافي عربي مشترك.

وفي هذا السياق، تؤكد قاعة أكد أهمية دور فضاءات العرض المستقلة في تنشيط الحياة الثقافية، ودعم المبادرات الفنية، وإتاحة الفرصة للأجيال الجديدة للتعرف على تجارب إبداعية متنوعة.

        حين يصبح الفن وطناً آخر

يطرح معرض «هجرة الطائر» أسئلة تتجاوز حدود اللوحة إلى العلاقة العميقة بين الإنسان والمكان. فهل يغادر الإنسان وطنه حقاً حين يهاجر؟ أم أن الوطن يستمر في مرافقته عبر الذاكرة والصورة واللون.

في أعمال صبيح كلش، يبدو الطائر حاملاً لهذه الأسئلة، متنقلاً بين الماء والسماء، وبين الحضور والغياب، فيما تظل اللوحة فضاءً يستعيد فيه الفنان ما تركته الأمكنة من أثر في وجدانه.

وهكذا، تتحول الهجرة إلى تجربة جمالية وإنسانية، وتصبح الذاكرة جسراً يصل الماضي بالحاضر، والوطن الأول بالأمكنة الجديدة.

ومن خلال احتضان هذا المعرض، تواصل قاعة أكد للثقافة والفنون رسالتها في مد جسور التواصل الثقافي، وتقديم الفن بوصفه لغة مشتركة قادرة على جمع التجارب الإنسانية، مهما اختلفت أوطانها ومساراتها.

 ويستمر معرض «هجرة الطائر» في استقبال زواره إلى غاية 5 نونبر 2026، بقاعة أكد للثقافة والفنون، الكائنة في 91 شارع حمان الفطواكي، مابيلا، الرباط.   

 

«هجرة الطائر» … لقاء الذاكرة بالفضاء الثقافي المغربي

أعرب الفنان صبيح كلش، عن سعادته في عرضه الأول في المغرب، هذا البلد الذي كان يتمنى زيارته من بدايات مشواره الفني لما عرف عليه وقرأته الفنية، اذ يعتبر تقديمه لتجربته الفنية بالرباط عاصمة الثقافة، هي امتداد لعلاقة إنسانية ورمزية لمعرضه «هجرة الطائر»، مستعيداً مساراً فنياً وإنسانياً امتد بين العراق وباريس والأردن وليبيا ومسقط، وصولاً إلى الرباط اليوم.

من جهتها، أبرزت الدكتورة علياء العزي، مديرة قاعة أكد للثقافة والفنون AACAD Gallery، أهمية استضافة هذه التجربة التشكيلية العراقية في المغرب، وما تنطوي عليه من أبعاد إنسانية وحضارية تسهم في تعزيز جسور التواصل الفنية والثقافية بين المشرق والمغرب.

وعبرت عن هذه الرؤية بقولها: «وهكذا تصبح الرباط في «هجرة الطائر» أكثر من محطة للعرض؛ إنها عش جديد تتجاور فيه جذور المشرق والمغرب تحت سماء الفن. »

وتجسد هذه الرؤية حرص قاعة أكد للثقافة والفنون على ترسيخ دورها بوصفها فضاءً للتلاقي والحوار بين التجارب الفنية والثقافات المختلفة، ومنصةً للتعريف بالإبداعات التشكيلية العربية والدولية، وتعزيز التواصل بين الفنانين والجمهور.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*