ما حقيقة إعفاء بوسعيد؟ !

      في قرار مباغت وصاعق، أعلن الديوان الملكي عبر بلاغ صادر يوم الأربعاء فاتح غشت 2018، عن إعفاء الملك محمد السادس لمحمد بوسعيد من مهامه وزيرا للاقتصاد والمالية طبقا لأحكام الفصل 47 من الدستور، وفي إطار تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي أخذ الملك عهدا على نفسه بجعله قاعدة أساسية في معاملة الجميع على قدم المساواة. وفي غياب أي توضيح رسمي آخر خارج البلاغ عن أسباب هذه الإقالة التي نزلت كالصاعقة على حزب التجمع الوطني للأحرار وهزت أركان الحكومة، كان طبيعيا أن تتضارب حولها الآراء وترتفع درجة اللغط والافتراضات…

      ومما زاد الأمر غموضا، هو ضرب رئيس الحكومة سعد الدين العثماني جدارا من الصمت على الحادث، وكأننا أمام سر من أسرار الدولة الذي يجب أن يظل في طي الكتمان، تجنبا لما قد يترتب عن إذاعته من أخطار محدقة وعواقب وخيمة. فكيف يا ترى لا تتوالد الإشاعات وتتكاثر التكهنات حول دواعي هذا الزلزال السياسي الجديد، الذي جاء مباشرة بعد مرور ثلاثة أيام فقط على خطاب العرش بمناسبة الذكرى 19، لاسيما أن الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى الخلفي، صرح خلال ندوة صحفية عقب نهاية اجتماع المجلس الحكومي المنعقد غداة “الواقعة”، بأن المجلس لم يتطرق نهائيا إلى الموضوع، وأنه شخصيا ليس له ما يضيفه على بلاغ الديوان الملكي؟

      بالله عليكم، هل يصدق العقل مثل هذا الكلام أمام زلزال سياسي بهذا الحجم، لاسيما أنه أسقط رأس “قائد” أهم الوزارات، التي تعتبر القلب النابض للحكومة، من حيث مهامها الاستراتيجية ومسؤولياتها الكبرى المرتبطة أساسا بإعداد سياسة الدولة في المجالات المالية والنقدية وغيرها، والانكباب على وضع مشاريع قوانين المالية، وضمان تحصيل الموارد العمومية وتصفية وأداء أجور الموظفين…؟

      وإذا كان معظم المواطنين البسطاء ابتهجوا ل”الزلزال”، معتبرينه نقمة من الله ضد من نعتهم ب”المداويخ” من داخل البرلمان، لمقاطعتهم ثلاثة منتوجات تجارية، تنديدا بموجة الغلاء المتصاعد، فقد تباينت ردود الأفعال بين باقي المواطنين. إذ هناك من يربطه بالتقريرين الأسودين لكل من ادريس جطو رئيس المجلس الأعلى للحسابات، وعبد اللطيف الجواهري والي بنك المغرب، اللذين رفعا إلى الملك ساعات قليلة قبل خطاب العرش، يكشفان عن إضاعة عدد من الفرص الاقتصادية والمالية والاستثمارية خلال الفترة الأخيرة، وارتفاع الدين العمومي وبلوغه أعلى المستويات المقلقة. وهناك من يقول بإخفاقه في جلب التمويلات الضرورية لتنفيذ المشاريع المهيكلة، واستقطاب الاستثمار لتحريك عجلة الاقتصاد، فضلا عن هدر ملايير الدراهم في نفقات بلا جدوى، تفتقر إلى النجاعة والتوازنات الترابية الكفيلة بخلق التنمية المندمجة والحد من الفوارق الجهوية.

      وهنالك أيضا من يقول بسوء تدبير ملف تحرير المحروقات، وعدم الالتزام بقواعد السوق لصالح المستهلك بربط سعر المحروقات بالأسعار الدولية، حيث ظل ارتفاع الأثمان قائما على حساب جيبه. علاوة على ما أثاره التقرير المرتبط بالمهمة الاستطلاعية عن المحروقات من ضجة عارمة داخل مجلسي البرلمان وخارجه، بعدما وجه البرلمانيون انتقادات لاذعة للحكومة محملينها مسؤولية احتكار المحروقات وغياب المنافسة والشفافية، ومطالبتها باسترجاع 17 مليار درهم أرباح الشركات المستولى عليها، والتي حرمت خزينة الدولة منها.

      بيد أن الأخطر الذي يستدعي التدخل الفوري لمصلحة مكافحة الجرائم المالية والاقتصادية التابعة للفرقة الوطنية إذا ثبتت صحته، هو أن تنسب الإقالة إلى صفقة شركة “سهام للتأمين”، التي يروج بشأنها أن بوسعيد تقمص جبة الساحر وأحدث تعديلا على مشروع قانون المالية 2018، بإدخال المادة 129 التي يتم بموجبها إعفاء “الكبار” من أداء نسبة 4 بالمائة لفائدة الخزينة العامة، ومن بينهم بطبيعة الحال صديقه في الحزب وزميله في الحكومة وزير الصناعة والاستثمار والتجارة والاقتصاد الرقمي مولاي حفيظ العلمي، مالك شركة “سهام للتأمين” التي تم تفويتها لإحدى الشركات الإفريقية، دون أن يحظى صندوق الدولة بحصته المحددة في حوالي 30 مليار سنتيم كرسوم عن الصفقة، وهو مبلغ إذا ما أضيف إلى مبلغ 17 مليار درهم المحروقات، كافيان بناء مدارس تعليمية أو مراكز صحية…

      فكيفما كانت الأسباب الحقيقية لهذه الصفعة القوية المتزامنة مع احتفالات عيد العرش، والتي تعتبر ثاني زلزال سياسي يهز بقوة حكومة العثماني، بعد أن عصف الأول برؤوس ثلاثة وزراء في أهم القطاعات الحيوية: التعليم والصحة والسكنى وكاتب دولة، لثبوت مسؤوليتهم في تعثر البرنامج التنموي “الحسيمة منارة المتوسط”، فيما عصف الثاني بوزير “أم الوزارات” لأسباب لم يفصح عنها بعد. وهو ما يؤكد على أن أغلب من تسند لهم مهام تدبير الشأن العام ببلادنا، ليسوا في مستوى تحمل المسؤولية لافتقادهم روح المواطنة الصادقة والنزاهة كانوا سياسيين أم تكنوقراط ، وإلا ما كانت حكوماتنا المتعاقبة لتعيش حالات من التخبط والارتباك، عاجزة عن صياغة نموذج تنموي حقيقي، وإصلاح التعليم والصحة والإدارة العمومية والقضاء ومكافحة الفساد، وتقليص معدلات الفقر والأمية والبطالة والحد من الفوارق الفئوية والمجالية وتحقيق العدالة الاجتماعية والعيش الكريم للمواطنين. ولما أفلست عديد المقاولات الصغرى والشركات الكبرى…

      نحن نثمن عاليا جهود ملك البلاد في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة وعدم التساهل مع الإخلال بالواجب، لكننا نرفض التعتيم حول أسباب “معاقبة” بعض المسؤولين، أو أن يتحول هذا المبدأ النبيل إلى مجرد مرادف للإعفاء من المنصب دون اقترانه بالمحاسبة. فلا معنى لهذا الإعفاء دون الحرمان من الامتيازات والترشيح ثانية لنفس المناصب أو لما هو أرقى منها، وعدم المحاكمة متى ما استدعت الأفعال المرتكبة ذلك، وإلا ستظل ثقة المواطن مفقودة في العمل السياسي والمؤسسات ووالاستحقاقات الانتخابية…

اسماعيل الحلوتي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*