ذ، إسحاق شارية يكتب: نزع ملكية أراضي سهل واد مرتيل بين الدستور والتوجيهات الملكية

الأستاذ: إسحاق شارية
محام

تعيش مدينة تطوان و نواحيها الممتدة على طول الشريط الساحلي المطل على البحر الأبيض المتوسط على شبح ورعب انتزاع ملكية الأراضي من ملاكها الأصليين، في استغلال غير بريئ لما خلفه الإستعمار الإسباني من ضعف أو قدم الوثائق الثبوتية للتملك، وانعدام ثقافة التحفيظ العقاري بين الملاكين عكس المناطق التي كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي، وقد استفاقت أهالي تطوان على وقع افتتاح المساطر القضائية لنزع ملكية الأراضي الواقعة على سهل واد مرتيل، في إطار مشروع التهيئة الذي تكلفت به إحدى الشركات بدعوى إعادة تهيئة تلك المناطق عقاريا ومجاليا .
غير أن الشعارات المعلنة من طرف الإدارة نازعة الملكية تصطدم مع حقوق أساسية للإنسان والمواطن وهو حق الملكية باعتباره حقا مقدسا يستوجب كافة آليات الحماية سواء الدينية أو القانونية أو التعاقدية أو حتى القبلية فهي حق مادي يخول لصاحبه حق التصرف والاستعمال والاستغلال وارتباط روحي ووجداني مع الأرض يجعل تقييمها ماديا غير ذي قيمة أمام تاريخها الحضاري وبعدها الثقافي وما تمثله لملاكها من رصيد يسمو على الجانب المادي الصرف، وبالنظر لهذه الأبعاد الحقوقية حظي حق الملكية بالإهتمام والضمان في جل الدساتير والتشريعات الوضعية منها والسماوية التي اعتبرت الملكية الخاصة حقا أساسيا للأفراد، فنظمته بصورة دقيقة خاصة في الدول التي ترفع شعار الحق والقانون، وقد اتسع مجال الاهتمام بهذا الحق ليتخذ بعدا دوليا من خلال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1789، وكغيره من التشريعات منح المشرع المغربي هذا الحق للافراد فقد اعتبره الدستور من بين الحقوق المضمونة وأي انتهاك لهذا الحق فهو تعدي على الحرية والأمن حيث نص الفصل 35 من دستور المملكة على أنه ” يضمن القانون حق الملكية . . .
ويمكن الحد من نطاقها وممارساتها بموجب القانون، إذا اقتضت ذلك متطلبات التنمية الإقتصادية والإجتماعية للبلاد، ولايمكن نزع الملكية إلا في الحالات ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون ” .
وإذا كان حق الملكية يتقاطع أحيانا مع المصلحة العامة، مما يورد عليه العديد من الإستثناءات التي ترتبط بالمنفعة العامة بحيث تنزع ملكية الفرد لصالح الجماعة وهي العملية التي تعتبر الوجه المخالف لحق الملكية، وهنا قد تلجأ الإدارة إلى وسائل جبرية للحصول على الأملاك قصد تحقيق مهامها وتحقيق المصالح العليا للدولة حيث تبقى الإدارة هنا مقيدة بمعيار المنفعة العامة تحت طائلة المسؤولية الإدارية في حالة المخالفة، غير أن التساؤل المطروح عن مدى احترام الإدارة نازعة الملكية للضوابط القانونية والإجرائية في مسطرة نزع ملكية أراضي سهل واد مرتيل وعن مدى احترام الحكومة للخطاب الملكي الناظم للعلاقة بين الدولة والمواطن في قضايا نزع الملكية .
فمن حيث مشروع إعادة التهيئة لذلك المجال وإن كان مشروعا ضخما وحيويا وسيضيف بعدا جماليا للمدينة فإن الجميع متفق على افتقاده للبعد التشاركي مع الملاكين خصوصا الكبار منهم أو مع رجال المال والإقتصاد بالمدينة، حيث تم تكليف شركة خارج إطار المقاولات المحلية علما أن مشاريع ضخمة قدمها بعض الملاك وتستجيب لنفس الأهداف أو ربما أحسن، أما من حيث مرسوم نزع الملكية فتعتريه العديد من العيوب الشكلية والإجرائية ولا زالت محكمة النقض لم تقل كلمتها في الطعن المقدم بإلغائه ، ثم بداية الأشغال والإعتداء على الملاكين قبل صدور مقرر التخلي أو حكم قضائي بالإذن بالإحتلال المؤقت كما يفرضه القانون .
وقد كانت المحكمة الإدارية بالرباط صارمة في اعتبار بعض تصرفات الإدارة أو الشركة المكلفة بالتهيئة اعتداءا ماديا يستوجب التعويض ، وتشتد الإنتقادات للإجراءات المتخذة من طرف الإدارة نازعة الملكية حينما تعمدت إصدار مقرر التخلي مليئ بالمغالطات المتعلقة بأسماء الملاكين ، رغم التصحيحات التي سجلت في دفاتر الملاحظات أثناء المرحلة الإدارية، بالإضافة إلى إنقاص في المساحة الحقيقية للعقارات المنزوعة ومحاولة خلطها مع عقارات أخرى إما مجاورة أو لا تمت لها بأية علاقة ، وكل ذلك يبدو غير بريء ويهدف إلى عرقلة وصول المالك إلى التعويض الذي يمكن أن تحكم له به المحكمة الإدارية، ويبقى المواطن هو الضحية في هذه الحلقة المتشعبة من الإجراءات والمساطر، في حين يبقى أمل أهل تطوان والملاكين في أن تكون المحكمة الإدارية بالرباط التي طالما عودتهم على أحكامها وقراراتها الجريئة والعادلة ضد تعسفات الإدارة في حق المواطن ، واعية بما تشكله الأرض لملاكها من قيمة وأن أي تعويض مهما بلغ ثمنه قد يعوض شيئا من الغبن اللاحق بهم لكنه لن يمحو ألم اقتلاع الجذور وتاريخ الأباء والأجداد، غير أن التساؤل المحير الذي يبقى مطروحا هو أين الإدارة وتصرفاتها المتسلطة في هذا الملف من الخطاب الملكي السامي في افتتاح الدورة التشريعية الأولى بتاريخ الجمعة 14 أكتوبر 2016 الذي أكد فيه …”
وعلى سبيل المثال فالعديد من المواطنين يشتكون من قضايا نزع الملكية لأن الدولة لم تقم بتعويضهم عن أملاكم او لتأخير عملية التعويض لسنوات تضر بمصالحهم ، أو لأن مبلغ التعويض اقل من ثمن البيع المعمول به وغيرها من الأسباب . .
إن نزع الملكية يجب أن يتم لضرورة المنفعة العامة القصوى وان يتم التعويض طبقا للأسعار المعمول بما في نفس تاريخ القيام بذ هالعملية مع تبسيط مساطر الحصول عليه ، ولا ينبغي أن يتم تغيير وضعية الارض التي تم نزعها وتحويلها لأغراض تجارية ، او تفويتها من اجل المضاربات العقارية”.
وهكذا فان مايحز في النفس أن تحس المواطن أن التعليمات الملكية تبقى بعيدة عن التنزيل و التنفيذ على أرض الواقع، و تبقى المسؤولية جسيمة على القضاء الإداري لتصويب الاعوجاجات و تعديل الاختلالات، و جبر الضرر بتعويضات عادلة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*