دُونَ مقابلٍ يغسل الصباحُ كل أركان العالم

دُونَ مقابلٍ يغسل الصباحُ كل أركان العالم:

سامر أبو القاسم

الحياة كالكتابة، تشدو بكل ما هو رائق، وترنو لكلمات تجبر الخواطر.

لها سقفُ تفرّدٍ غيرُ قابل للجمع، كما لِشغفِ تحقيقِ الأهدافِ طولٌ وعرضٌ يتجاوز شعلةَ اتِّقاده في نفوسِ أصحابه.

فهي الحب حيث لا وجود لشكل ثابت للإنسان، إذ مهما اختلفت الأديان والمذاهب يبقى المعشوق واحد.

فدُونَ مقابلٍ، يغسل الصباحُ كل أركان العالم ويدرأ عنها أوساخها، لتبقى الأرواحُ دون أن تتآكل الوجوه، ولتظلّ المعاني قائمةً بعد التَّمعُّن في أشيائها، وليُقَدَّس الدِّينُ كغايةٍ للسيطرة على النفس لا على الناس.

اجتهد البشر في صنع آلات التنظيف وأبدع، وتكاثرت أعراض التلوث على مجاري الهواء والممرات والجيوب، فتفاوتت درجات الحساسية من خفيفة إلى شديدة حسب الحالات.

 

وعلى الرغم من ثقوب الضعف التي تقود العالم إلى العبث بالدواخل، يبقى الأمل ولو على صغر حجمه فاتحا للآفاق.

فقد يُسرَق العمرُ للحصول على تجربة، وقد يُؤخَذ الجهدُ مقابل حكمة، لكن المآل حتما يتطلب احتفاءً بنجاحات صغيرة، يراها شادي تنمو معه وتكبر، ليصنع مع غيره عيشا هانئا بتقدير ما يملك، لا بلهفة الحصول على ما لا يملك.

ارتاد شادي الإدارة، متأملا جدارية حاملة لشعار “النظافة من الإيمان”، ومنتشيا بما راقه من حركية نساء أعوان خدمة انكببن على تنظيف الممرات ومداخل المكاتب.

وهو يقصد مكتب الشكايات، امتلأ أنفه برائحة كريهة، وكأنها تنبعث من قمامة لم يتم تفريغها منذ زمن بعيد.

وكلما سار عبر الممرات وصعد إلى الطوابق العليا كلما ازدادت رائحة العفن.

ولكونها ليست رطوبة أرض ولا برودتها، ذهب به التخمين إلى توقع انبعاثها من جيفة مركونة أو جردان في مجاري عالقة.

وما أن وصل إلى مكتب الشكايات وطرق بابه وهمّ بالدخول، حتى أزكمت أنفَه تلك الرائحة وأصابته بفقدان مفاجئ للوعي، وقبل سقوطه على الأرض مغشيا أدرك أن مصدر العفن عقول وجيوب.

استفاق بعد ذلك، فوجد نفسه جالسا على كرسي في وضعٍ على غير استواء، بارد الساقين والذراعين وضعيف النبض وسطحي التنفس.

وتذكر أن اليوم هو الخامس عشر من شهر أكتوبر، وأن المناسبة هي احتفاء باليوم العالمي لغسل اليدين.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*