ملاحظات حول منشور السيد رئيس الحكومة حول إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2026
كمال حلمي: باحث في القانون العام
يتميز قانون المالية السنوي بكونه من القوانين التي ينضبط مسلسل إعدادها إلى مراحل تحضيرية قبل تقديمه إلى البرلمان قصد المصادقة، و لعل أبرز هذه المراحل، المنشور الذي يوجهه السيد رئيس الحكومة كل سنة، يدعوا من خلاله الآمرين بالصرف لإعداد مقترحاتهم المتعلقة بالمداخيل و النفقات التي تهم قطاعهم بخصوص ميزانية السنة المالية المقبلة، وهذا المنشور يتم توجيهه إلى مختلف القطاعات الوزارية و المؤسسات المعنية مع بداية شهر غشت من كل سنة.
و يهدف هذا المشور إلى تأطير عمليات إعداد الميزانيات القطاعية عبر التركيز على الأولويات الحكومية للسنة المقبلة و توجيهات السيد رئيس الحكومة للإلتزام بضبط النفقات سواء المتعلقة منها بالتسيير أو الاستثمار، و غالبا ما ترتكز على نفقات التنقل و الاستقبال و الحفلات……
لكن من قرأة هذا المنشور الخاص بتوجيهات إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2026 يمكن إبداء الملاحظات التالية:
1- من المفروض أن يتجه المنشور إلى رسم معالم البرامج الحكومية للسنة المقبلة، و تأطير التوجات العامة لبرامج القطاعات الوزارية لسنة 2026، لكن الملاحظ أن هذا خصص حيزا كبيرا جدا للتركيز على منجزات الحكومة و البرامج التي أطلقتها في مختلف القطاعات و الموارد المالية التي خصصتها لذلك و مناصب الشغل المحدثة، و كأننا أمام ورقة تقديمية لحصيلة العمل الحكومي و ليس أمام منشور رئيس الحكومة لتأطير مستقبل العمل الحكومي.
2- التحدث عن أشياء ليس مكانها منشور إعداد مشروع قانون المالية، كالحديث عن إصلاح القانون التنظيمي للمالية و الأهداف المنتظرة من إصلاحه و الأفاق التي ينتظر أن تحققها المالية العمومية من هكذا إصلاح، لأن عمليا هذا المنشور يرمي تأطير إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2026 الذي يحدد مساره التشريعي القانون التنظيمي رقم 130-13 لقانون المالية.
3- لعل أحد أبرز الاولويات التي حددها هذا المشور هي مواصلة الإصلاحات الهيكلية الكبرى و الحفاظ على توازات المالية العمومية، و من بين الأليات الضرورية لذلك التحكم في النفقات العمومية، و لأجل ذلك خصص هذا المنشور صفحة كاملة للحديث عن التقليص و ضبط النفقات في التسسير و الاستثمار، و إن كان هذا الامر مهم للتحكم في المالية العمومية، لكن الإجراءات الحكومية واقعيا تسير عكس ذلك و تساهم في خلق إلتزامات مالية في ميزانية الدولة أكثر خطورة عبر اللجوء إلى ما أطلقت عليه التمويلات المبتكرة.
و إن كانت هذه التمويلات قد بلغت سنة 2024 35.3 مليار درهم حسب تقرير بنك المغرب الأخير، وساهمت في الرفع من مداخيل الدولة، غير انها تعتبر موارد غير دائمة و تخلق نفقات إضافية في ميزانية الدولة عبر تسديد أقساط شهرية أو سنوية نظير تفويت ممتلكاتها، وهو أمر أخطر على ميزانية الدولة و الأجيال المقبلة من القروض.
4- المنشور يكثر من استخدام الفعل الماضي في العدد من فقراته، مما ينم على أن مشروع قانون المالية تم إعداده قبل صدور منشور السيد رئيس الحكومة، و أن هذا المنشور فقط إجراء إداري وجب نشره، و يمكن إعطاء أمثلة على ذلك ببعض فقرات هذا المنشور- فقد وضع مشروع قانون المالية 2026 في صميم أولوياته…-
-يفتح مشروع قانون المالية لسنة 2026 مرحلة جديدة..- حيث من المفروض أن يؤطر منشور السيد رئيس الحكومة المستقبل لا أن يتحدث كأن المشروع جاهز و أن المعطيات التي تطلب من الأمرين بالصرف، بموجب هذا المنشور، صارت دون فائدة.
خلاصة القول، هذا المنشور يمكن تقسيمه إلى شقين، بعض الأشياء خصوصا المتعلقة بمجمل الأولويات و الضوابط التي على الامرين بالصرف التقيد بها في إعداد مقترحاتهم، يمكن اعتبارها من صميم هذا المنشور، أما الكثير مما ورد في هذا المشور، حسب تقديري، جزء من المذكرة التقديمية التي ترفق بمشروع قانون المالية السنوي حسب المادة 48 من القانون التنظيمي رقم 130-13 لقانون المالية، مما خلق إرباكا في التناسق اللغوي لهذا المنشور.
كمال حلمي
باحث في القانون العام
