الصحراء المغربية: حقائق غابت عن قراءة بوبكر الجامعي
كتبها: سامي المودني
اطلعت على الحوار الأخير للأستاذ بوبكر الجامعي على برنامج البودكاست “بصيغة أخرى”، وخاصة الشق المتعلق بقضية الصحراء المغربية.
ولأن النقاش الفكري يقتضي التفاعل والنقد، لا بد من التوقف عند بعض النقاط التي أغفلها أو قدّمها بشكل مجتزأ على المستوى المنهجي:
أولًا: لم يُشر الأستاذ الجامعي إلى التطورات الكبرى التي شهدها هذا النزاع المفتعل منذ طرح مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، والتي تعتبرها جميع قرارات مجلس الأمن منذ ذلك التاريخ جادة وذات مصداقية.
لقد انتقل المجتمع الدولي من منطق “الاستفتاء” الذي أفشلته البوليساريو بسبب رغبتها في التحكم في الهيئة الناخبة، إلى منطق الحل السياسي الواقعي والعملي القائم على التفاوض.
واليوم، أزيد من 120 دولة تدعم الحكم الذاتي، مقابل التراجع الكبير في عدد الدول التي مازالت تعترف بالجمهورية الوهمية، خاصة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
ثانيًا: قدّم النزاع وكأنه بين المغرب و”الصحراويين”، متجاهلًا الدور المركزي للجزائر التي تحتضن وتمول وتسلح البوليساريو، وترفض بشكل مستمر إحصاء ساكنة مخيمات تندوف من طرف المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، رغم الدعوات الأممية المتكررة ومقتضيات القانون الدولي.
لا يمكن لأي تحليل جاد أن يتجاهل أن قرار البوليساريو مرتهن كليًا للنظام الجزائري، وأن قرارات مجلس الأمن واضحة في دعوة الجزائر للمشاركة الجدية في مسلسل التسوية.
ثالثًا: تجاهل الأستاذ الجامعي أيضًا أن أغلبية الصحراويين يعيشون في الأقاليم الجنوبية ويتمسكون بمغربيتهم، وهو ما تعكسه نسب المشاركة المرتفعة في الانتخابات، والتي تُعتبر مؤشرًا صريحًا على الارتباط بالدولة ومؤسساتها.
أما الصورة التي قدمها عن “اصطفاف كل الصحراويين خلف البوليساريو”، فهي مناقضة للواقع، بل إن أسطورة “انفصاليي الداخل” لم يعد لها وجود، بعدما أصبح التيار الانفصالي في العيون والداخلة والسمارة.. شبه منعدم منذ إطلاق النموذج التنموي الجديد في الصحراء المغربية.
رابعًا: تحدث الأستاذ عن “استحالة تطبيق الحكم الذاتي” بسبب ما اعتبره غيابًا للديمقراطية في المغرب.
والحال أن الديمقراطية ليست حالة ثابتة، بل مسار إصلاحي تراكمي يقوم على توسيع الهوامش وتعزيز المشاركة من داخل المؤسسات.
ومقترح الحكم الذاتي الذي تقدّم به المغرب يظل مبادرة شجاعة وواقعية لتسوية النزاع، ولو كان للصحراويين في تندوف حرية القرار، لكانوا أول من بادر إلى التفاوض بشأن تفاصيله.
وأخيرًا، فإن الإنصاف في أي تحليل يقتضي استحضار هذه الحقائق كاملة، بعيدًا عن الانتقاء أو الإغفال، لأنها تشكّل عناصر أساسية في صورة النزاع لا يمكن القفز عليها.
