حين يصبح المهاجر الإفريقي مثار إزعاج!
طالما تعرض المغرب لانتقادات حادة من قبل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بسبب ما تعتبره معاملات مهينة وعنيفة للسلطات الأمنية أثناء تدخلاتها، لمنع المهاجرين غير الشرعيين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، من اقتحام السياج الحدودي الفاصل بين المغرب ومدينتي سبتة ومليلية الخاضعتين للإدارة الإسبانية.
إذ أن السلطات المغربية والإسبانية تحرصان معا على التصدي الصارم للمهاجرين الأفارقة غير النظاميين، مما يؤدي أحيانا إلى مصرع بعضهم وإصابة آخرين من شدة التدافع، واتهام الأمم المتحدة السلطات المغربية والإسبانية بالإفراط في استعمال العنف ضدهم.
ويعد المغرب من أبرز البلدان الرائدة في التدبير الجيد لملف الهجرة على الصعيدين الإقليمي والدولي، إذ أنه وبفضل الرؤية الملكية المتبصرة التي ترتكز على البعد الإنساني، اختار نهج سياسة الانفتاح على عمقه الإفريقي، واستطاع أن يصبح مركز استقرار لآلاف المهاجرين القادمين من دول إفريقيا جنوب الصحراء. وهو ما جعله يبادر إلى إطلاق استراتيجية وطنية للهجرة واللجوء في سنة 2013، تقوم على احترام حقوق المهاجرين وحمايتهم، وتوفير أفضل الشروط الذاتية والموضوعية الكفيلة بضمان العيش الكريم لهم وتمتيعهم بالخدمات الاجتماعية الأساسية، كالتعليم والصحة والإسكان والعمل والتكوين المهني، بشكل متساو مع المواطنين المغاربة في الحقوق دون أي تمييز، وهي السياسة الملكية الحكيمة التي تحظى بإشادة دولية واسعة من طرف المنظمة العالمية للهجرة والأمم المتحدة.
ففي التقرير السنوي حول “ديناميات الهجرة في القارة الإفريقية” الصادر عن المرصد الإفريقي للتنمية وإعادة الإدماج والتأهيل برسم سنة 2023، وهو هيئة بحثية يرأسها ناشطون في دولة نيجيريا، يأتي المغرب في المرتبة الثالثة على الصعيد الإفريقي في استقبال الأشخاص طالبي اللجوء خلف كل من أوغندا وجنوب إفريقيا.
بعد أن تحول إل قبلة ذات جاذبية لدى شرائح عريضة من اللاجئين الفارين من بلدانهم على إثر النزاعات المسلحة والأزمات الإنسانية، خاصة في منطقتي الساحل والصحراء. وقد كشف ذات التقرير أن المغرب لم ينفك يستقبل أعدادا متزايدة من المهاجرين الأفارقة خلال السنوات الأخيرة، وأن عدد المقيمين به غير الشرعيين منهم أصبح يتجاوز الثمانين ألف شخص، من ضمنهم حوالي ستة آلاف طفل قاصر، في حين بلغ عدد طلبات اللجوء المسجلة رسميا خلال سنة 2023 أكثر من 12 ألف ملف…
وتشير إحدى الدراسات الحديثة إلى أن من بين المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، هناك عدد من المندمجين نسبيا في المجتمع المغربي يقدر في الوقت الراهن بما يناهز 25 ألف شخص، استفادوا جميعا ودون استثناء من برامج التسوية القانونية والمبادرات الحكومية الهادفة إلى تيسير عملية الولوج إلى التعليم والتكوين المهني والرعاية الصحية الأساسية…
بيد أنه رغم كل ما ظل المغرب يبذله من جهود في استقبال المهاجرين الأفارقة غير النظاميين المتحدرين من دول جنوب الصحراء، ويبديه من حسن الضيافة والاهتمام بأوضاعهم المتردية، فإنه كثيرا ما تحولت بعض مدنه وعلى رأسها العاصمة الاقتصادية إلى مسرح للجرائم المختلفة، ليس أبطالها سوى مهاجرين متهورين، حيث لم يعد يقتصر الأمر على احتلال فضاءات الحدائق العمومية والمحطات الطرقية بل حتى عدد من البيوت في مدن الشمال، ناهيكم عن الاعتداءات المتكررة على الممتلكات الخاصة والعامة، من سرقة، رشق العربات والمواطنين بالحجارة وإضرام النار، وطالما تم تداول تلك المشاهد المؤلمة على منصات التواصل الاجتماعي، مما خلف سخطا واسعا في أوساط المواطنين…
فمازالت أصوات الاستنكار تتعالى للمطالبة بترحيل هؤلاء المهاجرين الخارجين عن القانون إلى بلدانهم الأصلية، كما يكاد مواطنون مغاربة كثر وفعاليات المجتمع المدني لا يتوقفون عن التعبير عن استيائهم العميق من هكذا سلوكات غير مسؤولة، ما انفكت تثير الكثير من الإزعاج والاستفزاز، فضلا عن أن هناك هيئات مدنية لا تكف هي الأخرى عن توجيه الدعوة إلى السلطات المحلية في مختلف جهات المملكة التي يتواجد فيها هؤلاء المهاجرون الفوضويون من أجل التدخل العاجل والحد من انتشارهم في عدة نقط وتخليص الساكنة من تصرفاتهم الشنيعة والمروعة…
ويشار في ذات السياق إلى ما تشهده بعض الأحياء والشوارع من صدامات قوية بين مهاجرين منحدرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء وبعض المغاربة، إما بسبب ترويج المخدرات أو خطاب العنصرية، رغم أن المجتمع المغربي مشهود له بقيم التسامح والتعاون مع جميع الأجناس والثقافات. لكن ما فتئت بعض المدن المغربية تعرف أحداثا تنطوي على أفعال إجرامية رهيبة، يرتكبها مهاجرون يتكتلون على شكل عصابات إجرامية، ويشكلون بممارساتهم الشنيعة تهديدا حقيقيا للأمن المجتمعي.
وهو ما يؤكد فشل سياسة الهجرة واللجوء التي ظل المغرب يتبناها منذ عام 2013، لكونها لم تضع في الحسبان عددا من المحددات، كما لم ترافقها سياسات وتدابير اجتماعية أخرى قصد إدماج المهاجرين في النسيج المجتمعي المغربي، وهو ما أدى إلى تحول بعض المدن بعينها إلى بؤر للتوتر بسبب تهجير المهاجرين إليها قسرا دون إرادتهم، بالإضافة إلى ضعف البنيات التحتية المتعلقة بمراكز الإيواء والمراكز الاجتماعية…
من هنا بات لزاما على الجهات المسؤولة القيام بتشخيص حقيقي لوضعية الهجرة واللجوء، عبر إجراء دراسات علمية بخبرات مغربية خالصة، للخروج بخلاصات من شأنها معالجة مختلف الإشكاليات المطروحة، ووضع خريطة واضحة للمهاجرين الأكثر قدوما إلى المغرب، قصد معرفة دواعي الهجرة ومعالجتها في إطار تعاون مشترك بين المغرب وأوروبا والدول الإفريقية المصدرة للهجرة.
اسماعيل الحلوتي
