«من حرب على الإرهاب إلى إعادة هندسة الشرق الأوسط: قراءة تحليلية في شهادة Wesley Clark والمخطط الدولي»
«من حرب على الإرهاب إلى إعادة هندسة الشرق الأوسط: قراءة تحليلية في شهادة Wesley Clark والمخطط الدولي»
أميرة عبد العزيز – باريس
في خضمّ الزلزال الذي أحدثته هجمات 11 سبتمبر 2001، خرج العالم بعدة مسارات: تصعيد أمني، محاربة الإرهاب، تدخلات دولية، وإعادة رسم خريطة نفوذ.
لكن شهادة Wesley Clark، الجنرال الأميركي المتقاعد ورئيس حلف شمال الأطلسي سابقاً، تعيد النظر في هذه المسارات: إذ كشف أن ما حصل — وما جرى لاحقًا — قد لا يكون مجرد “رد فعل على الإرهاب”، بل جزءًا من خطة استراتيجية عميقة لإعادة تشكيل دول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
خلال مقابلة عام 2007، روى Clark أنه بعد أسابيع قليلة من 11 سبتمبر زار مقر وزارة الدفاع الأميركية، حيث أبلغه ضابط كبير أن القرار بغزو العراق “قد اتُّخذ مسبقاً”.
وبعد ستة أسابيع، قال له الضابط إنّه تلقى وثيقة من مكتب وزير الدفاع تُظهر خطة واضحة على مدى خمس سنوات لإسقاط أنظمة في سبع دول: العراق أولاً، ثم سوريا، لبنان، ليبيا، الصومال، السودان، وأخيراً إيران.
هذه الدول — بحسب الوثيقة — كانت أهدافاً لاستراتيجية تغيير أنظمة وإعادة رسم خريطة النفوذ السياسي والجغرافي.
رغم أن تلك الوثيقة لم تُنشر رسمياً، فإن عبارة “سبع دول في خمس سنوات” أصبحت علامة استفهام كبرى: هل ما جرى في العقدين التاليين من تدخلات وحروب وانقلابات تعسريّة هو تجسيد عملي لخطة سرّية؟
تطورات ما بعد 2001 تُظهر بوضوح أن العراق وليبيا وسوريا والسودان والصومال ولبنان وإيران شهدت تحولات جسيمة في السلطة، انهيار أنظمة، تفكك مؤسسات، صراعات مسلحة، تهجير، وتفتت داخلي.
العراق سقط النظام فيه عام 2003 بعد الغزو، وتبع ذلك فوضى طائفية وأمنية، وليبيا سقطت قيادتها عام 2011 وأصبحت الدولة في حالة فوضى مستمرة، وسوريا دخلت حرباً أهلية معقدة منذ 2011، ولبنان انهارت مؤسساته الاقتصادية والسياسية، والسودان شهد سقوط نظام البشير عام 2019، والصومال استمر في تدهور هشاشة الدولة، أما إيران فلم تُسقَط لكنها تعرضت لضغوط استنزافية تهدف لتقويض بنيتها السياسية والاقتصادية.
عند ربط شهادة Clark بهذه التحولات، يمكن فهم أن ما جرى لم يكن مفاجئاً أو عشوائياً، بل تعكس هذه الأحداث ما أسماه “خطة السبع دول” على أرض الواقع، مع تعديل سياقات التنفيذ وفق الظروف الداخلية لكل دولة.
المستفيد من هذا التخطيط ليس طرفاً واحداً فقط، بل منظومة مصالح دولية تشمل الولايات المتحدة، حلفاءها، وشبكات الضغط المرتبطة بقطاع الطاقة والسلاح وإعادة هندسة الخرائط الإقليمية.
القاسم المشترك بين الدول المستهدفة هو موقعها الاستراتيجي، مواردها الطبيعية، أو قدرتها على تشكيل محور سياسي مستقل. الهدف الرئيس من هذا المخطط هو إعادة توزيع النفوذ، السيطرة على موارد الطاقة، منع ظهور قوة إقليمية موحدة، وتطويق إيران من خلال إنهاك الدول المحيطة بها.
يمكن تلخيص الأبعاد الأربعة للمخطط الدولي أولاً، إعادة توزيع النفوذ عبر إضعاف القوى المستقلة.
ثانياً، السيطرة على الموارد الاستراتيجية بما فيها النفط والغاز والممرات الحيوية. ثالثاً، منع ظهور كتلة إقليمية قادرة على مواجهة النفوذ الغربي أو الأميركي.
رابعاً، الحد من قدرة إيران على التمدد الاستراتيجي عبر الضغط على دول الجوار، مما يحافظ على التوازن المرسوم وفق مصالح القوى الكبرى.
من هذا المنظور، تبدو شهادة Wesley Clark أقل “خطة نظرية” وأكثر “خريطة واقع”، إذ يتطابق ما شهدته أغلب الدول مع تنبؤه: سقوط أنظمة، تفتت دول، فوضى أمنية، وتآكل سيادة.
ما حصل بعد 11 سبتمبر لم يكن مجرد رد فعل عشوائي على الإرهاب، بل تطبيق فعلي لسياسة استراتيجية ممنهجة، أدخل المنطقة في مرحلة “سقوط على دفعات” ضمن مخطط دولي واسع.
ومن هنا يبرز السؤال الأكبر:
إذا كان هذا المشروع قد نجح جزئياً خلال العقدين الماضيين، فإلى أين يمكن أن يصل في السنوات القادمة — وهل ما زال بإمكان المنطقة إنتاج معادلة مغايرة تقلب اتجاه هذا المسار؟
او بالأصح ما هو مقر الزلزال الجيوسياسي القادم ؟

