بدر شاشا
في السنوات الأخيرة، شهد المغرب تطوراً ملحوظاً في مجال العدالة الجنائية من خلال تبني مفهوم العقوبات البديلة، وهو توجه يهدف إلى الجمع بين تحقيق الردع القانوني وإعادة الإدماج الاجتماعي للمعاقبين، بدلاً من الاقتصار على السجن التقليدي.
ومن بين أهم أوجه هذا الإصلاح، هو تشغيل أصحاب العقوبات البديلة في مشاريع تخدم المجتمع، بما يشمل تنظيم الأحياء والمدن، صيانة الطرق، العمل في المستشفيات، الجامعات، والمدارس.
تعتبر هذه الخطوة إنجازاً كبيراً، لأنها تحقق عدة أهداف مترابطة:
. تعزيز المسؤولية المدنية والوطنية:
عندما يُطلب من الأفراد أداء أعمال خدمة المجتمع، فإنهم يشعرون بمسؤوليتهم تجاه المجتمع ووطنهم.
العمل في المرافق العامة يجعل الفرد يلمس أثر جهوده مباشرة على حياة الناس، مما يزرع لديهم قيم الانتماء والمواطنة.
إعادة الإدماج الاجتماعي:
السجن غالباً ما يؤدي إلى عزلة الفرد عن المجتمع، ويزيد من صعوبة اندماجه بعد إطلاق سراحه.
بالمقابل، العمل في مشاريع الخدمة المجتمعية يتيح للفرد فرصة التفاعل الإيجابي مع الآخرين، اكتساب مهارات عملية، وإعادة بناء علاقاته الاجتماعية بشكل طبيعي.
. تنمية مهارات عملية ومهنية:
العمل في الأحياء والمدن، صيانة الطرق أو المرافق العامة، يمنح الأفراد خبرة عملية قد تساعدهم لاحقاً في سوق العمل. هذا يساهم في تقليل معدلات العودة إلى الجريمة، لأنه يمنح الفرد شعوراً بالجدوى والكفاءة.
. تحسين الخدمات العامة:
استغلال ساعات العقوبة البديلة في صيانة الطرق، تنظيف الأحياء، دعم المستشفيات والمدارس، يعزز من جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، ويخفف الضغط على الموظفين العموميين. بالتالي، الجميع يستفيد: المجتمع، الدولة، والفرد نفسه.
. تحقيق العدالة التصالحية:
العقوبات البديلة تجعل العقوبة أداة إصلاحية أكثر منها انتقامية، لأنها تربط بين مسؤولية الفرد وإصلاح الأضرار التي تسبب بها بطريقة ملموسة. المواطن يرى أن القانون لا يعاقب فقط، بل يربط العقوبة بالمنفعة العامة، ما يعزز ثقته في الدولة ونظام العدالة.
تجربة المغرب في هذا المجال تعد نموذجاً حديثاً وواعداً في المنطقة، حيث أثبتت الدراسات أن توجيه أصحاب العقوبات البديلة نحو العمل المجتمعي يقلل من معدلات العودة للجريمة، ويحسن صورة الفرد أمام المجتمع، ويخلق بيئة أكثر إيجابية داخل الإدارات والمؤسسات العامة.
تشغيل أصحاب العقوبات البديلة في مشاريع تخدم المجتمع ليس مجرد إجراء قانوني، بل خطوة استراتيجية نحو مجتمع أكثر عدلاً وتضامناً.
إنه نموذج يحقق الانسجام بين القانون والمصلحة العامة، ويؤكد على أن العقوبة الحقيقية ليست مجرد حرمان، بل هي فرصة لإصلاح الفرد وتعزيز دوره في خدمة وطنه ومجتمعه.
