ارتفاع عدد خريجي الجامعات في المغرب وأزمة التشغيل: التحديات والحلول
شاشا بدر
يشهد المغرب اليوم زيادة مستمرة في عدد خريجي الجامعات، وهو مؤشر إيجابي على مستوى التعليم من حيث الوصول إلى الدراسة العليا، لكنه في الوقت نفسه يشكل تحديًا كبيرًا لسوق الشغل. هذا الارتفاع، إذا لم يقابله تنسيق بين التعليم والاقتصاد، يؤدي إلى ارتفاع البطالة بين حملة الشهادات، تراجع الاستقرار الاجتماعي، وضياع جزء من الرأسمال البشري الذي أنفق عليه المجتمع موارد كبيرة.
ارتفاع أعداد الخريجين وسوق الشغل
الجامعات المغربية تخرج سنويًا آلاف الشباب في تخصصات مختلفة، من الإجازة إلى الماستر والدكتوراه. لكن سوق الشغل المغربي غير قادر على استيعاب هذه الأعداد بشكل متكافئ، بسبب محدودية فرص العمل المؤهلة، ضعف الاستثمار الصناعي والتقني، واعتماد الاقتصاد على قطاعات منخفضة القيمة المضافة.
هذا الوضع يولد بطالة عالية بين الخريجين، خاصة في التخصصات النظرية التي لا تواكب احتياجات السوق، ويزيد من حالات العمل المؤقت، العقود الهشة، والأجور المتدنية، ما يخلق جيلًا بلا أفق واضح ويؤثر على حياته الشخصية والاجتماعية، بما في ذلك تأجيل الزواج وتأسيس أسرة مستقرة.
البطالة بين المجازين: أزمة أفق مفقود
المجازون يواجهون أزمة مزدوجة: فهم حاصلون على شهادات عليا، لكن الاقتصاد لا يوفر لهم وظائف تناسب مؤهلاتهم. النتيجة هي انتشار ظاهرة “البطالة المسجلة وغير المسجلة”، حيث يُجبر الكثيرون على العمل في قطاعات غير مرتبطة بتخصصاتهم، أو البقاء دون عمل لفترات طويلة. هذا الوضع يضعف الثقة في التعليم الجامعي، ويخلق إحباطًا نفسيًا واجتماعيًا.
الاستعدادات المستقبلية لمزيد من الخريجين
مع استمرار ارتفاع أعداد الطلبة الجامعيين، يطرح السؤال: هل هناك استعداد حقيقي لاستيعاب الخريجين الجدد؟ الواقع يشير إلى ضعف التخطيط الاستراتيجي بين التعليم وسوق الشغل، وغياب تنسيق فعّال بين وزارة التعليم، وزارة الاقتصاد، وقطاع المقاولات.
المطلوب هو:
ربط التكوين الجامعي بالاقتصاد الوطني: تحديد التخصصات المطلوبة على المدى المتوسط والبعيد، وتعديل الخريطة الجامعية وفق حاجيات السوق.
تعزيز التكوين المهني والتقني: تقديم برامج تكوينية عملية متقدمة، وربطها مباشرة بمشاريع ومقاولات توفر فرص عمل حقيقية للخريجين.
تشجيع الاستثمار في قطاعات مبتكرة: الصناعة، الطاقات المتجددة، التكنولوجيا، البحث العلمي، والخدمات الرقمية، لخلق فرص عمل جديدة عالية القيمة المضافة.
إعادة النظر في التوجيه الجامعي: توجيه الطلبة بناءً على قدراتهم وميولهم، مع مراعاة حاجيات سوق الشغل، لتقليل التخصصات المشبعة وعدم استثمار الموارد بلا جدوى.
تشجيع ريادة الأعمال بين الخريجين: دعم الشباب لإنشاء مقاولات صغرى ومتوسطة، وربط التمويل والدعم القانوني والتقني بخطط قابلة للتنفيذ.
ارتفاع أعداد خريجي الجامعات في المغرب مؤشر على نجاح التعليم من حيث الوصول، لكنه يشكل تحديًا إذا لم يقابله استعداد حقيقي لسوق الشغل. البطالة بين المجازين، العقود الهشة، والعمل في قطاعات غير مرتبطة بالتخصص، كلها تؤثر على الاستقرار الاجتماعي والنفسي للشباب.
الحل يكمن في تنسيق استراتيجي بين التعليم وسوق الشغل، دعم الاستثمار في القطاعات المبتكرة، تطوير التكوين المهني، وتشجيع ريادة الأعمال.
المغرب بحاجة إلى رؤية شمولية تربط التعليم بالاقتصاد، وتحول الخريجين من عبء محتمل إلى قوة فاعلة في التنمية الوطنية.
