أريري: مرحبا بكم في نيويورك..عاصمة الضجيج والتلوث الصوتي في العالم !
كتبها: الصحفي عبد الرحيم أريري
معظم الأدبيات الحضرية التي تناولت مدينة نيويورك تقدمها كعاصمة المال والأعمال عالميا، أو كعاصمة القرارات الأممية التي تطبخ في دهاليز مجلس الأمن، أو كعاصمة المعارض والفنون والأرقام الفلكية في بيع القطع الفنية، لكن هناك وجه أسود لا يتم تسويقه، ألا وهو أن مدينة نيويورك هي “عاصمة التلوث الصوتي المقرف والمزعج” على المستوى الكوني.
إذ يسجل الضجيج الناتج عن التلوث الصوتي بنيويورك مستويات جد مقلقة تتجاوز في الغالب 120 ديسيبيل (Décibels)، علما أن منظمة الصحة العالمية تضع عتبة 70 “ديسيبيل” كحد أقصى يمكن للمرء أن يتعايش مع الضجيج بالوسط الحضري.
الدليل على ذلك أن أغلب الشكايات التي تتوصل بها مصالح بلدية نيويورك تخص معضلة الضجيج والتلوث الصوتي بالدرجة الأولى، لدرجة أنه لوجمعنا عدد المشتكين بالعاصمة المالية والاقتصادية بأمريكا، ووضعناهم في صف، لتشكل لدينا طابور طويل مسافته 750 كلم( أي ما يعادل المسافة بين طنجة وأكادير تقريبا).
وهذا الرقم ليس من وحي العبث، فالإحصاء الرسمي الصادر عام 2024 سجل 750 ألف شكاية بكامل تراب مدينة نيويورك ضد الضجيج، وهو ما يعني أن 8،5% من سكان المدينة يحتجون. فكل يوم يتوصل مكتب النجدة التابع لبلدية نيويوك بشكايات تتراوح بين 2000 و2100 شكاية.
هذا الرقم يسهل التحقق من جديته من حجم سيارات الإسعاف والشرطة والمطافئ التي تجوب نيويورك طوال اليوم( ليلا ونهارا)، وهي تخترق الشوارع والأزقة بصوتها المزعج الناتج عن تشغيل صفارات الإنذار Les sirènes، بحيث أضحى رؤية السائحين والسكان وهم يضعون “سدادات الأذن” Bouchons d’oreilles او يضعون “الكاسك” Casques ، مشهدا مألوفا في شوارع المدينة.
هذا المستوى المزعج من الضجيج الذي تعانيه نيويورك يعود لسببين رئيسين:
المؤشر الأول: يكمن في طبيعة عمرانها وتعميرها الذي يتميز بكونه عموديا تطغى عليه ناطحات السحاب والعمارات الشاهقة، وهو ما يمثل من الناحية الفيزيائية “مصيدة” للصوت الذي يتعاظم مؤشر ضجيجه بالزقاق أو الشارع، لأن العمارات الشاهقة لا تسمح بتمدد موجات الصوت فيرتفع حجمه.
المؤشر الثاني: يرتبط بكون نيويورك هي أكبر مدينة في العالم تسجل نسبة تدخل لرجال المطافئ.
فبلدية نيويورك ( 8،5 مليون نسمة)، تضم 255 ثكنة للمطافئ موزعة على مقاطعاتها الخمس (مانهاتن، برونكس، كوين، بروكلين، ستايتن آيلاند)، وتسجل في السنة تقريبا 1،9 مليون تدخل سنويا، منها 1،3 مليون تدخلا طبيا و25 ألف حريق، مما يؤدي إلى تشغيل دائم لسيارات المطافئ والإسعاف. وإذا أضفنا لهذا الرقم التدخلات اليومية للشرطة بصوت سياراتها المزعج كذلك(9000 سيارة شرطة بالمدينة) لمطاردة مجرم أو لفك اشتباك أو تدخل بسبب شكاية عنف زوجي أو لمواجهة بين عصابات أو حادث مروري صعب ، إلخ… آنذاك نتخيل حجم الجحيم الذي يعيشه سكان نيويورك.
لكن الله الذي أنزل الداء أنزل الدواء أيضا، إذ تتوفر نيويورك على إشراقات حضرية فاتنة وهادئة تسمح للمرء بالهروب من هذا الضجيج وسرقة سويعات من التعايش مع الطبيعة وتذوق “لذة الهدوء والسكينة”.
ففي نيويورك تمت تهيئة منتزهات وحدائق تتيح للزائر( قاطنا أو سائحا) فرصة التحرر من عذاب الضجيج والتلوث الصوتي.
في نظري يبقى منتزه “سانترال بارك” Central Park، أحد أهم المنتزهات الحضرية الأكثر جمالية في العالم. فالمنتزه الممتد على مساحة 341 هكتارا (مايعادل تقريبا مساحة حي الألفة أو حي القدس بالدار البيضاء)، يعتبر “جنة” وسط نيويورك والذي تم إحداثه في النصف الثاني من القرن 19 في أوج الفورة العمرانية التي كانت تشهدها نيويورك آنذاك، كجواب على “الكانيباليزم الحضري” الذي كانت تقوده المافيا بالمدينة لوقف تمددها ولهفها للعقارات والأراضي بدون ضوابط وبدون مرافق آنذاك.
اليوم يجني سكان نيويورك ثمار ذاك الصراع وثمار إحداث منتزه “سنترال بارك” الذي لا يلعب اليوم دور “رئة المدينة” فحسب، بل تحول إلى مزار سياحي عالمي، ففي كل سنة يزور منتزه “سانترال بارك” 37 مليون زائر، وهذا ماجعل بلدية نيويورك تضعه على رأس أولوياتها، إذ ترصد سنويا 200 مليون دولار لصيانة هذا المنتزه ( أي 0،16% من ميزانية بلدية نيويورك) للحفاظ على بهائه وللحفاظ على دوره كملجأ للهاربين من ضجيج هذه المدينة/ الغول التي لا تهدأ فيها صفارات الإنذار.
ملحوظة:
الصورة الأولى: وسط منتزه “سانترال بارك”
الصورة الثانية: في المركب المشهور”روكفيلر” بمانهاتن


